بدعوة من خادم الحرمين الشريفين، اجتمع قادة دول مجلس التعاون الخليجي في جدة يوم الثلاثاء الماضي، وناقشت القمة التي عُقدت برئاسة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان الدروس المستفادة من حرب إيران، ومراجعة التقدم المحرز في جهود دول المجلس للتعامل معها.
منذ اشتعلت الحرب في 28 فبراير (شباط) الماضي والمسؤولون الخليجيون في شبه اجتماع دائم لمتابعة تطوراتها؛ ففي الأول من مارس (آذار) الماضي اجتمع وزراء الخارجية في اجتماع طارئ، وفي الخامس منه اجتمعوا مع نظرائهم في الاتحاد الأوروبي، أعقبته قمة مشتركة مع الأوروبيين، واجتماعات مع وزيرَي خارجية بريطانيا وروسيا، بالإضافة إلى اجتماعات المسؤولين في الشؤون العسكرية والأمنية والاقتصادية.
لطالما فضّل مجلس التعاون الحلول السياسية لمعالجة القضايا الخلافية العديدة مع إيران، وكان لبعض دوله علاقات دبلوماسية واقتصادية وثيقة مع إيران، وبذل بعضها جهوداً مُضنية لمنع وقوع هذه الحرب، ولكن إيران كافأت دول المجلس بأن استهدفتها بأكثر من 85 في المائة من إجمالي الهجمات، الأمر الذي ترك لدى دول المجلس شعوراً سيئاً، وبنكران إيران للجميل أفقدتهم الثقة بنواياها.
ومع أن دول المجلس ما زالت تفضّل «السبل السياسية» لإنهاء الخلافات مع طهران، فإن انعدام الثقة يجعل من الضروري أن تقترن تلك الوسائل بتعزيز القدرات الدفاعية والردع، وتوظيف الدعم الدولي الواسع الذي ظهر منذ بداية العدوان الإيراني.
إغلاق مضيق هرمز كان أكثر القضايا إلحاحاً في جدة. والموقف الخليجي واضح بأن تتم معالجته على وجه السرعة، وفقاً لمقتضيات القانون الدولي، وبمعزل عن المفاوضات الأميركية - الإيرانية؛ لأن إغلاقه الذي دخل شهره الثالث تسبب في ركود اقتصادي عالمي، وأزمة حادة في الطاقة وأخرى في الأمن الغذائي، وأثّر في حياة مئات الملايين حول العالم ممن لا دخل لهم بهذه الحرب.
وأظهرت الحرب فائدة ما تم تحقيقه في المجال اللوجستي والنقل في المملكة العربية السعودية؛ إذ أصبحت موانئها على البحر الأحمر بديلاً لموانئ الخليج في الاستيراد والتصدير، وأصبحت آلاف الشاحنات تقطع من المملكة ذهاباً وإياباً لسد الخلل الذي تسبب فيه إغلاق «هرمز». وساهمت في ذلك شبكة السكك الحديدية، ومطاراتها التي تجاوز عددها الثلاثين، نصفها تقريباً مطارات دولية، فتمت الاستفادة منها في خدمة شركات الطيران الخليجية التي أغلقت مطاراتها. ولكن الحرب أظهرت الحاجة إلى ترابط أسرع وتكامل أعمق بين دول المجلس، وهو ما أكدت عليه قمة جدة. وكان الربط اللوجستي إحدى أهم القضايا التي ركز عليها الأمير محمد بن سلمان منذ أكثر من عشر سنوات، لربط دول الخليج أولاً، ثم توظيف موقعها الفريد للربط الدولي بين قارات العالم.
بالإضافة إلى ما يتطلبه هذا الربط من استثمار في البنية التحتية، من بناء طرق وسكك حديدية ومطارات وموانئ، فإنه يحتاج كذلك إلى استكمال توحيد البيئة التنظيمية والمعايير والبروتوكولات المتعلقة بالنقل البري والسككي والجوي والبحري.
في مجال النقل الجوي، أنشأت دول الخليج شركات طيران ربما هي الأفضل عالمياً، واستثمرت السعودية كثيراً في مضاعفة نطاق السكك الحديدية فيها ستة أضعاف خلال عقد واحد من 800 متر إلى 5000 كيلومتر، وأسست الإمارات وقطر شركات نقل سككي جديدة. وبدأت المملكة مبادرة جديدة للربط السككي بين العواصم الخليجية، فتم التوقيع على الاتفاقية الأولى من هذا النوع في ديسمبر (كانون الأول) الماضي لربط الرياض والدوحة بقطار فائق السرعة. وهناك اتفاقيات أخرى في الطريق. أما السكة الحديدية الخليجية التي تم الاتفاق عليها منذ عشرين عاماً، فما زالت في طور التأسيس، وأكدت قمة جدة على سرعة استكمالها.
وأكدت قمة جدة على خيار دول المجلس في التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي وبناء مراكز البيانات السحابية، ولكن الحرب أظهرت كذلك تهديد إيران للكابلات التي تنقل المعلومات، مما أكّد الحاجة إلى بناء بدائل محلية، وتوطين هذه المراكز والصناعات.
بدأت هيئة الربط الكهربائي الخليجية في العمل عام 2010، وهناك مشاريع لمد نطاق عملها خارج المنطقة مع أنه محفوف بتحديات عدة، وفي أكتوبر (تشرين الأول) 2024 اقترح الأمير محمد مد هذا الربط إلى القارة الأوروبية، وهو أمر موضع نقاش بين الجانبين حالياً.
لا يمكن التعويل على سرعة انتهاء الحرب، بسبب الهوّة الواسعة بين مواقف الجانبين، ولكن اتضح خلال الفترة الأولى من الحرب عزم إيران على استهداف منشآت البنية التحتية وصناعة النفط والغاز والبتروكيماويات في دول المجلس، وهو ما دفع قمة جدة إلى الدفع بعدد من المشاريع التكاملية الضرورية.
أظهر الأنبوب النفطي بين الدمام وينبع في هذه الحرب الحكمة الاستراتيجية في إنشائه، على الرغم من التكلفة العالية. وهذا يعني أن من قصر النظر الاعتماد على الجدوى التجارية فقط في تقييم المشاريع الاستراتيجية؛ ولهذا ستتم إعادة تقييم مشاريع أخرى لنقل النفط في ضوء هذه التجربة.
وربما كان الربط المائي أكثر إلحاحاً، ولكنه أيضاً أكثر صعوبة. وقد سبقت دراسته ولم تثبت «جدواه» الاقتصادية، ولكن هجمات إيران وتهديداتها لمحطات التحلية تدعوان إلى إعادة النظر في الربط المائي أخذاً في الاعتبار تلك التهديدات، بالإضافة إلى تهديد التلوث النووي لمياه الخليج.
استخدمت إيران آلاف الصواريخ الباليستية والمسيّرات في هجماتها على دول المجلس، وكان رجال الدفاع من أوائل المجموعات الخليجية التي اجتمعت بعد الحرب للتنسيق العسكري، من خلال القيادة العسكرية الموحدة لمجلس التعاون واللجان العاملة في إطار المجلس.
كما تم اعتراض أكثر من 90 في المائة من هجمات إيران، وهو ما شهد بكفاءة الجنود الخليجيين والمعدات التي يستخدمونها. وهناك رغبة في تحقيق المزيد من النجاح، سواء في رفع نسبة الاعتراض، أو زيادة فترة الإنذار، أو تخفيض التكاليف، بالإضافة إلى تطوير صناعة المسيّرات والصواريخ كأدوات ردع مستقبلاً.
ولتنفيذ مقررات قمة جدة ستشهد الأسابيع القادمة حركة نشطة في إطار مجلس التعاون، لتعزيز التنسيق السياسي، ورفع القدرات الدفاعية، والترابط اللوجستي، وإعادة بناء ما تضرر خلال الهجمات الإيرانية، واستعادة القدرة التصديرية والإنتاجية في مجال الطاقة والبتروكيماويات، وتوسعة نطاق الترابط اللوجستي، من خلال المطارات والقطارات والموانئ والطرق البرية، والاتصالات.
