في زمنٍ تتداخل فيه اللغات كما تتداخل الهويات، لم يعد سؤال اللغة مجرد اختيارٍ أدبي أو أداة تعبير، بل أصبح ساحةً مكثفةً لصراع أعمق، يتعلق بالانتماء والذاكرة، وموقع الفرد داخل العالم.
هذا السؤال يبرز بوضوح عند النظر إلى مسارَين مختلفين لكاتبين مغربيين يكتبان بالفرنسية: ليلى سليماني، والطاهر بن جلون. كلاهما ينتمي إلى فضاء ثقافي واحد، لكنهما يقدمان مقاربتَين متباينتين لعلاقة الكاتب بلغته الأصلية؛ تحديداً العربية.
ليلى سليماني، في كتابها «اعتداء على الحدود»، لا تخفي هذا التوتر، بل تجعله موضوعاً مركزياً لكتابتها. فهي تنطلق من تجربة شخصية، تعترف فيها بمسافةٍ نشأت بينها وبين اللغة العربية نتيجة مسار تعليمي وثقافي فرنكفوني، لكنها لا تتوقف عند هذا الاعتراف، بل تحوله مشروعاً لاستعادة للذات. فاللغة العربية، في تصورها، ليست عبئاً يجب التخلص منه، ولا ماضياً ينبغي تجاوزه، بل جزءٌ من هوية مركبة تحتاج إلى إعادة اكتشاف. بهذا المعنى، تتحول الكتابة بالفرنسية عندها إلى وسيلة للتفكير في العربية، لا بديلاً عنها.
هذا المسار يجعل من تجربة ليلى سليماني أقرب إلى رحلة داخلية، حيث يكون السؤال موجهاً إلى الذات قبل الآخر. هي لا تكتب لتشرح «العالم العربي» للغرب، بل لتفهم موقعها هي داخل هذا العالم، بكل ما يحمله من تناقضات. لذلك؛ تبدو لغتها أقل ميلاً إلى التبسيط، وأكبر انشغالاً بتفكيك الإحساس بالانقسام الذي يعيشه كثير من أبناء الهجرة أو النخب الفرنكوفونية في العالم العربي. إنها محاولة لمصالحة متأخرة، لكنها صادقة، مع لغة كانت حاضرة بوصفها غياباً.
في المقابل، يَظهر الطاهر بن جلون في جزء من مساره الأدبي كأنه يختار زاوية مختلفة. فهو، منذ عقود، يكتب للقارئ الفرنسي بالدرجة الأولى، ويخاطبه بلغة قريبة من أفق انتظاره. كثير من نصوصه، خصوصاً تلك التي تتناول قضايا الدين أو المجتمع، تتجه إلى تبسيط العالم العربي وتقديمه عبر مفاتيح قراءة جاهزة نسبياً. هذا الخيار لا يمكن فصله عن سياق النشر الفرنسي، الذي يميل إلى النصوص القابلة للتداول السريع، لكنه يطرح في الوقت ذاته سؤالاً بشأن حدود التبسيط: متى يتحول إلى اختزال؟
غير أن هذا النقاش لا يمكن فصله عن السياقين السياسي والثقافي في فرنسا نفسها، حيث ظلت اللغة العربية موضوع تجاذب حاد داخل أوساط النخبة. حين أقرت وزيرة التعليم نجاة بلقاسم، خلال عهد الرئيس فرنسوا هولاند، توسيع تدريس العربية في المدارس العمومية، لم يُستقبل القرار بوصفه انفتاحاً ثقافياً، بل أثار موجة اعتراض داخل أوساط سياسية وإعلامية. شخصيات من اليمين الفرنسي، مثل إريك سيوتي وبرونو لومير، عبّرت بوضوح عن رفضها، عادّةً أن إدخال العربية المدرسةَ العمومية يطرح إشكالات تتجاوز التعليم إلى الهوية والانتماء.
هذا الرفض يكشف عن أن اللغة العربية، في المخيال الفرنسي لدى جزء من النخبة، لا تزال تُحمَّل بدلالات سياسية وثقافية تتجاوز بعدها اللغوي. فهي ليست مجرد لغة أجنبية مثل غيرها، بل تُختزل أحياناً في ارتباطات أمنية أو دينية أو اجتماعية. في هذا السياق، يصبح اختيار الكتابة بالفرنسية، بالنسبة إلى كاتب من أصول عربية، ليس مجرد خيار أدبي، بل يصبح أيضاً تموضعاً داخل هذا النقاش المعقد.
هنا يتضح الفارق بين مقاربة ليلى سليماني ومقاربة الطاهر بن جلون... الأولى تذهب عكس هذا التيار الضمني، وتحاول إعادة الاعتبار للعربية بوصفها جزءاً من الذات، حتى وهي تكتب بلغة أخرى. إنها ترفض القطيعة، وتبحث عن توازن دقيق بين لغتين، في سياق لا يمنح هذا التوازن دائماً شرعيته الكاملة. أما الثاني، ففي بعض نصوصه يبدو أقرب إلى الانسجام مع مناخ ثقافي فرنسي يميل إلى استقبال خطاب مبسط عن «الآخر»، حتى لو جاء ذلك على حساب تعقيد هذا الآخر.
لا يعني ذلك أن تجربة الطاهر بن جلون تُختزل في هذا الجانب، فهو كاتب قدّم أعمالاً روائية عميقة، واشتغل على قضايا إنسانية معقدة. لكن ما يلفت الانتباه هو هذا الميل، في بعض كتاباته، إلى مخاطبة القارئ الفرنسي ضمن أفق انتظاره، وهو أفق يتأثر بدوره بسياقات سياسية وثقافية، مثل الجدل الذي رافق تدريس العربية.
بين هذين المسارَين، يبرز اختلاف في وظيفة الكتابة: عند ليلى سليماني هي فعل مقاومة هادئة أمام إقصاء رمزي للغة العربية، ومحاولة لاستعادتها من داخل لغة أخرى. وعند الطاهر بن جلون، في بعض جوانب إنتاجه، هي فعل تكيّف مع سوق ثقافية لها شروطها وتصوراتها المسبقة.
في النهاية، لا يتعلق الأمر بالمفاضلة بين كاتبَين، بقدر ما يتعلق بفهم تعقيد العلاقة بين اللغة والهوية في فضاء فرنكفوني لم يحسم بعدُ موقفه من العربية. بين من يسعى إلى إعادة اكتشافها، ومن يختار تجاوزها أو تبسيطها، يظل السؤال مفتوحاً: هل يمكن للغة أن تكون جسراً حقيقياً بين الثقافات، أم إنها تظل، في بعض السياقات، خط تماس يعكس توترات أعمق؟
