غداة حرب يوليو (تموز) عام 2006، التي انتهت بمنع العدو الإسرائيلي من تحقيق انتصار كامل، التقى حسن نصر الله، صاحب عبارة «لو كنت أعلم»، مغتربين من الطائفة الشيعية ومتمولين، وأبلغهم أن حرب تموز هي آخر الحروب، وحثهم على الاستثمار وإعمار بلداتهم!
بين نهاية حرب تموز 2006 وأكتوبر (تشرين الأول) 2023 نَعِمَ الجنوب باستقرار لم يعرفه سابقاً وبازدهار فاق أي منطقة لبنانية أخرى. الدعم المالي الخارجي والخليجي خصوصاً، أطلق مشاريع إعادة الإعمار، وفعلت فعلها أموال القادرين من مغتربين ومقيمين، إلى القروض ثم الموازنات التي أنفقتها «اليونيفيل» في الجنوب وناهزت 12 مليار دولار خلال 17 سنة.
كثيرون ذهبوا إلى تحقيق بيوت أحلامهم، وبيوت الأحلام التي ورثوها عن أهاليهم. أضافوا إلى البيت الصغير غرفة إثر أخرى، حملوا حجارته حجراً حجراً في تسابق مع البنَّائين. ولو ابتعدوا، فقد سكن البيت حدقات العيون، ومثله أمكنة اللهو ولعب الأطفال. وما تعبوا عن استكمال ما بدأه الآباء، فالبيت يكبر كالبشر. لكل زاوية أو شرفة قصص يتناقلونها. وأحياناً أُطلقت التسميات على كل ما تم غرسه واستنباته: شجرة فلان أو وردة فلانة وحاكورة فلان. أما القادرون، لا سيما من هم في الاغتراب، فقد شيَّدوا قصوراً، وبعضهم أرسل صور مبانٍ راقت لهم فطلبوا استنساخها، ووضعوا فيها جنى سنوات طويلة.
في المقلب الآخر، لم يكن قرار قاسم سليماني بحرب تموز آخر تلك القرارات. كان خطوة في سياق طموح إيران لإقامة مشروع إمبراطوري من بحر قزوين إلى البحر المتوسط. والتحضير الإيراني تواصل تحشيداً وتجهيزاً، والمؤكد أنه لم يفت المتسلطين بدء ورش «مدن الأنفاق» وترك الناس ينامون وتحت وسائدهم مخازن صواريخ. إنه أمر لا سرّ فيه لأنه رافق المهام من البدايات مع نفي آية الله محتشمي، التحالف مع «الحزب» وهو الذي واكب ولادته منتصف عام 1985: «ليس حليفاً لإيران، إنه جزءٌ من مؤسساتها العسكرية والأمنية». وبعده أعلن إبراهيم أمين السيد، وهو قيادي مؤسس: «نحن إيران في لبنان»!
ولأن حرب تموز، وقعت بعد 6 سنوات على خروج الاحتلال واستعادة الأرض، فإنها لم تكن آخر الحروب، فقد سادت بعدها «مفاهيم» فوقية وإنكار وانعدام للمنطق، وادعاءات غيبية بـ«انتصار إلهي»، وتضخيم للقوة والقدرة ووعود ببيوت في الجليل. المريدون «أشرف الناس»، والبقية عملاء، والمعارضون من نخب الشيعة «شيعة سفارات». توّج منحى ما بعد حرب تموز مرويات عن دور «الحزب» كجهة منتصرة دوماً، وليس صحيحاً أنه لم يكن طرفاً في الحروب الأهلية. دشَّن حضوره بهزيمة حركة «أمل»، التنظيم الشيعي الآخر، فأخرجها من الضاحية الجنوبية وإقليم التفاح. ثم كانت حربه ضد اليسار والشيوعيين فأبعد «جبهة المقاومة الوطنية»، وهي التي حررت بيروت ونحو 75 في المائة من الأراضي التي احتلتها العدو الإسرائيلي. وإذ شكَّل اغتيال الرئيس رفيق الحريري ذروةً في نهج الاغتيالات، فقد توَّجَه «الحزب» بوصف احتلال بيروت بأنه يوم «مجيد» لأنه مكّن النفوذ الإيراني ورسّخه!
أخذ المشروع الإقليمي الإيراني «الحزب»، بوصفه وكيلاً لنظام الحكم في طهران، إلى حرب على الشعب السوري امتدت 10 سنوات. ووصف نصر الله حربهم على الشعب اليمني بـ«أشرف» أدوارهم (...) وأن حرب «إسناد» غزة 2023 التي أبلغ قرارها إسماعيل قاآني إلى نصر الله كانت استكمالاً لحرب تموز... وحرب الثأر لخامنئي 2026 بدأت مع «تسمين» الفيلق اللبناني في «فيلق القدس»، بإيرانيين ممن أمعنوا قتلاً في الشعب السوري. إنها حرب «الحرس الثوري»، يدير عملياتها، ولا يدخل في حسابه ما سيسفر عنها، فالخسائر بالنسبة إلى النظام الإيراني، ووكيله اللبناني، جانبية، لا يدخل فيها إنهاء حياة الجنوب: تحويل العمران إلى عدم، وتهجير جماعي من دون أفق للعودة وقتل أسس الدورة الاقتصادية هناك.
مؤكَّد أن للعدو الإسرائيلي أطماعه في الأرض والمياه. إنه يجرف العمران ويطمس معالم نحو 70 بلدة تحت الاحتلال، وأكثر من 40 بلدة تحت النار، في عمقٍ يصل إلى 35 كيلومتراً. لقد وضع مصير جبل عامل على المحك، وأنزل بالطائفة الشيعية نكبة سيمرّ كثير من الوقت لإدراك كل حجمها، وأنزل بلبنان فاجعة هزيمة مروعة سترتِّب على الناس أثماناً فوق طاقتهم على الاحتمال. لكنَّ الصحيح أن هناك فيلقاً لبنانيَّ الهوية قدَّم البلدَ لقمةً سائغةً للعدو الإسرائيلي؛ خدمةً لمشغِّليه. والصحيح أيضاً أن هذا التنظيم هو مَن بادر بفتح حروب 2006 و2023 و2026، ولتاريخه لا يلتفت إلى الآثام التي ارتكبها.
لكنّ لبنان وهو بصدد استعادة دولته للمرة الأولى منذ عقود، شهد شراكات لـ«حزب الله» في الجرائم المتناسلة التي ارتكبها بحق اللبنانيين. إنها منظومة الفساد التي أسهم «الحزب» في بنائها والهيمنة على قرارها وتشارك معها في سرير حكومي واحد ولجان نيابية. أنتجت هذه الشراكة خذلاناً للمواطنين وتحطيماً لآمالهم بتغييب الدستور والقوانين وتعليق العدالة و... تهشيم البلد وعزله. لقد تمأسس الفساد في لبنان في زمن تسلُّط الحزب وقضمه قراره الوطني، فأفشلَ الخطوات الإصلاحية البطيئة، كما تقدمَ الصفوف لمنع أي تدبير كان يمكن له أن يحُدَّ من النتائج الوخيمة للمنهبة التي أذلَّت اللبنانيين.
للخروج من هذا الكابوس هناك مسؤولية حكومية تبدأ بالعمل لوقف الهزيمة عند الحدود التي بلغتها، والمضي من دون إبطاء في نزع السلاح بدءاً من بيروت، وهي الثقل الكبير لتصبح آمنةً فتتحول إلى نموذج قابل للتعميم. لكن الطي الحقيقي لهذه الصفحة ينتظر بروز قطب شعبي جديد وبديل يؤكد أن لبنان آخرَ ما زال ممكناً!
