أحمد محمود عجاج
TT

هل يقيِّد الكونغرس ترمب وينقذ إيران؟!

استمع إلى المقالة

يردد الرئيس الأميركي دونالد ترمب دائماً أنه انتصر على إيران، ثم يشتكي من غياب القيادة عند طهران، ويهدد بتضييق الحصار، ثم بالتصعيد العسكري لحل الأزمة بالقوة. هذا المسار الترمبي باستخدام القوة لفرض الإذعان يواجه الآن عقبة من الكونغرس الأميركي الراغب في الإشراف على تلك الحرب، والتدقيق في مجرياتها، لإصدار قراره: إما بالانسحاب، وإما بدعم الرئيس ترمب لإتمامها على الوجه المرغوب فيه؛ ومع انقضاء مهلة الستين يوماً الممنوحة للرئيس ينتقل قرار الحرب من الرئيس إلى الكونغرس.

السؤال: هل سيرضخ الرئيس لهذا المسار؟! قبل صدور قانون صلاحيات الحرب الصادر عام 1973 كان الأمر بيد الرئيس، ولكن بسبب حرب فيتنام ومناورات الرئيس نيكسون في إطالتها بتكاليفها الباهظة، ارتأى الكونغرس أن يستعيد صلاحياته الدستورية بإعلان الحرب، وأن يسحب القرار من يد الرئيس الأميركي. هدف القانون إلى تثبيت حق الكونغرس وحده في إعلان الحرب، ولذلك نص في المادة الرابعة منه بفقرتيها (أ) و(ب): «يحق للرئيس إدخال القوات المسلحة الأميركية في أعمال عدائية، أو في أوضاع تشير إلى احتمال وشيك للمشاركة في أعمال عدائية». بهذا النص استعاد المشرعون قرار إعلان الحرب، وفرضوا سلطاتهم الرقابية، ولكن القانون لم يرقَ للغاية المتوخاة، بدليل أن كل الرؤساء الأميركيين تقريباً تجاهلوه بتفسيرات تتعارض مع روحه، وأصروا على أن المادة الرابعة لا تقلل من صلاحياتهم؛ لأن عبارة أعمال عدائية لا تعني إعلاناً للحرب. فالرئيس كلينتون استخدم مصطلح الأعمال العدائية ضد الصرب، وتجاوز بذلك نص العودة للكونغرس، وكذلك الرئيس بوش شكك في دستورية القانون، وارتكز إلى تفويض منحه الكونغرس له بعد عملية الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) 2001 لمتابعة الحرب ضد الإرهاب، مضيفاً أن العمليات العسكرية في أفغانستان ليست حرباً تقليدية؛ بل هي عمليات مستمرة ضد تنظيمات إرهابية، ما يجعل مهلة الستين يوماً ملغاة أو ضبابية؛ كذلك توسع الرئيس أوباما أكثر في شرح مفهوم العمليات العسكرية في حرب ليبيا لإسقاط القذافي، فقال إنه استخدم سلاح الجو ولم ينشر جنوداً، ولا يوجد خطر يحدق بقواته المسلحة.

لم يشذ ترمب عن هذه التفسيرات؛ بل زادها توسعاً؛ إذ إنه بإعلانه «وقف القتال» مع إيران لم تعد توجد أصلاً «أعمال عدائية»، رغم فرضه حصاراً بحرياً يُعتبر في نظر القانون الدولي «إعلان حرب»، علاوة على قصفه المنشآت وقتله القادة الإيرانيين. هذا كله يؤكد أن ترمب ومن سبقه يشكُّون في دستورية القانون، ولذلك استخدم الرئيس نيكسون حق النقض ضده؛ لكن الكونغرس أقره بأغلبية الثلثين من الجمهوريين والديمقراطيين.

هذا التباين بين الرئاسة والكونغرس يكشف عن أزمة دستورية ظاهرها استحواذ الرئيس على صلاحيات الكونغرس بإعلان الحرب. ولكن هذا الاستحواذ مؤقت ومرهون بقرار الكونغرس؛ فالدستور الأميركي خوَّل الكونغرس صلاحيات أخرى للحيلولة دون تجاوز مؤسسة الرئاسة له، ومنها الموافقة على ميزانية الحرب؛ فالكونغرس قادر على إجبار الرئيس على وقف الحرب إذا ما صوَّت ضد تمويل ما يصفه الرئيس بعمليات عسكرية.

ورغم أن الكونغرس غير قادر على وقف التمويل بسبب سيطرة الجمهوريين عليه، فإن أعضاء الكونغرس قادرون -رغم ذلك- على تثبيت حقهم في الرفض، والتصويت المستمر في المجلس. هذه الممارسة الرافضة تمنع بروز عُرف قانوني يثبت حق الرئيس، ويحوله إلى قيصر قادر على تجاوز كل الكوابح التي وضعها مؤسسو الجمهورية الأميركية، لمنع تحول البلاد من جمهورية إلى إمبراطورية.

والمراقب لصراع الرئيس مع المؤسسات الأميركية، يجد أن تلك المؤسسات تمكنت -وإن بتباطؤ- من منعه من أن يكون قيصراً؛ لأن ترمب نفسه تراجع عندما تظاهر الناس في ولاية مينيسوتا ضد ممارسات رجال الهجرة والجوازات، وبعد صدور قرارات عدة من محاكم في الولاية، وأعاد النظر في ممارسات جهاز الأمن والهجرة. هذا السلوك الشعبي، والإصرار من قضاة المحاكم، وتكرار الكونغرس معارضته رغم عدم قدرته على تمرير قرار ملزم، يؤشر إلى أن المؤسسات الدستورية -رغم فشلها- لا تزال تعمل، وتكرس ما هو شرعي وغير شرعي، وأن المعارضة في الكونغرس ضرورية لتثبيت التوازن بين المؤسسات الدستورية.

الشيء الإيجابي في هذا التنازع أن الرؤساء الأميركيين لم يمتنعوا عن تنفيذ قرارات المحاكم، ولم يقولوا إن الكونغرس لا صلاحية له؛ بل قدَّموا حججاً، قد تكون واهية، إلا أنها حجج ترسخ وعيهم بأهمية احترام القانون وفصل السلطات، والديمقراطية. هذا الأمر قد يغيب عن بال قادة إيران ويحسبونه تخبطاً، ويتشددون في مواقفهم، اعتقاداً منهم أن الرئيس ترمب مكبَّل، ولا يستطيع التصعيد عسكرياً؛ وهذا قمة الخطأ؛ لأن ترمب يتفلَّت من القيود بالقانون، وإذا ما صعَّد الإيرانيون لتعميق أزمته السياسية، فلن يتراجع، ما دام لديه الدعم السياسي في الكونغرس، والقوة العسكرية، لخوض معركة مصيرية قررها قبل دخوله البيت الأبيض بزمن طويل.