د. محمد النغيمش
كاتب كويتي مختص في علوم الإدارة. خبرة طويلة في قطاع الاستثمار. وعضو مجالس إدارة عشرات الشركات في قطاعات عدة منها الاستثمار والعقار والصناعة والتعليم والتأمين، كثير منها مدرجة بالبورصة. عمل مستشارا لوزراء وشركات. أمضى نحو ثلاثة عقود في الكتابة منها في صحيفة «القبس» و«النهار»اللبنانية و«مجلة الرجل»، ويكتب لـ«الشرق الأوسط»اللندنية منذ 2009. حاصل على الدكتوراه في القيادة من جامعة ساوثهامبتون بالمملكة المتحدة. ألف عدداً من الكتب آخرها «عقلية الإسفنجة».
TT

ماذا لو تغير مجرى التاريخ؟

استمع إلى المقالة

كان في ثنايا الكلمة الذكية التي ألقاها ملك بريطانيا تشارلز الثالث أمام الكونغرس الأميركي، ولقيت تصفيقاً حاراً منقطع النظير، رسائل مبطنة عديدة غلّفت بحس دعابة راقٍ. من أبرزها استخدام أسلوب «التاريخ البديل» (alternate history) حينما أشار، في أبريل (نيسان) 2026، إلى فكرة مستوحاة من كتاب «قصة جورجين»، وهي رواية أميركية ساخرة تتخيل عالماً لم تنفصل فيه الولايات المتحدة عن بريطانيا وبقيت تحت حكم الملك الإنجليزي جورج الثالث بينما يصبح جورج واشنطن مجرد مواطن عادي لا قائداً تاريخياً. هذه الفكرة مستوحاة بأسلوب ساخر من رواية «قصة مدينتين» للكاتب الإنجليزي تشارلز ديكنز لكنها تقلب الفكرة لتطرح سؤالاً جوهرياً: ماذا لو لم يحدث الاستقلال الأميركي أصلاً؟

الملك المفوه كان أكثر جرأة ولطافة حينما قال للرئيس الأميركي دونالد ترمب، الجالس بين ممثلي الشعب، ما معناه إنك قلت للقادة الأوروبيين بأنه لولا تدخل أميركا في الحرب العالمية الثانية لكنتم تتحدثون الألمانية في إشارة إلى غزو هتلر للقارة العجوز. فرد الملك مازحاً أنه لولا بريطانيا «ربما كنتم (أي الأميركيين) ستتحدثون الفرنسية»، في دعابة تُذكّر بأن مسارات التاريخ ليست حتمية كما نتصور.

حرية طرح تساؤلات مثل «ماذا لو»، هي أساس كل اختراع، وكل علم، وكل قرار مصيري. فاكتشاف البنسلين كان صدفة أثارت تساؤلات وجيهة قادت إلى ثورة في المضادات الحيوية، بعد عفن لاحظه العالِم على بكتيريا في مختبره.

ماذا لو حَلَّقَتْ البشرية باكراً في السماء، وماذا لو لم تُكتشف الكهرباء، ولا السيارات، ولا الإنترنت؟ وتلك أسئلة تقودنا إلى فهم أعمق للتاريخ والواقع. وأكبر خطأ هو تقييم الماضي بمعايير الحاضر. فلا يُلام مسؤول على قرارات لم تتوفر له فيها المعلومات الحالية.

وكل ما حدث في السابق كان أحد السيناريوهات المحتملة التي لم يُعرها أحدٌ اهتمامه. والتاريخ لا يعيد نفسه دوماً. لأن بعض الحوادث كانت نتيجة صدفة محضة، أو ظروف عابرة.

اللافت أن الإنسان يميل إلى الاعتقاد بأن ما حدث كان لا بد أن يحدث، غير أن التاريخ ليس قطاراً يسير على سكة واحدة بل تعترضه مفترقات طرق شكلت واقعنا.

والتاريخ ليس ما حدث بل ما كان يمكن أن يحدث ولم يحدث بسبب تقاعسنا عن الأخذ بالأسباب. ولذلك نحاول في علم الإدارة دراسة السيناريوهات جيداً، لنخفف وقع القرار أو لنقترب من الأكثر رشداً.

والسؤال الجوهري ليس «ماذا لو لم يحدث» ما حدث تاريخياً، بل ماذا لو حدث ما لم يكن بالحسبان مستقبلاً... هل نحن مستعدون؟ وهذا يجرنا إلى أهمية استشراف المستقبل قبل أن يقع ما لا يُحمد عقباه.