عادل درويش
صحافي معتمد في مجلس العموم البريطاني، وخبرة 55 عاماً في صحف «فليت ستريت». وكمراسل غطى أزمات وحروب الشرق الأوسط وأفريقيا. مؤرخ نشرت له ستة كتب بالإنجليزية، وترجمت للغات أخرى، عن حربي الخليج، و«حروب المياه»؛ أحدثها «الإسكندرية ، وداعاً: 1939-1960».
TT

قضايا متشابكة أطرافها ستارمر وماندلسون و«مجلس العموم»

استمع إلى المقالة

حتى بمعايير وستمنستر يبدو المشهد غريباً. تقرير في صحيفة «التايمز» يشير إلى استعدادات رئيس الوزراء كير ستارمر لترك المنصب خلال أسابيع، في وقت يواجه فيه اتهاماً بتضليل البرلمان؛ يُعد في النظام السياسي البريطاني اتهاماً خطيراً ربما يقضي على المسيرة السياسية لأي وزير.

القضية تجاوزت خطأ التقدير السياسي في تعيين بيتر ماندلسون سفيراً في واشنطن (رغم الشكوك حول تعامله مع شركات صينية إلى جانب علاقته بجيفري إبستين) إلى السؤال الخطير: هل قال ستارمر الحقيقة كاملة للبرلمان؟

التحول من مسألة كفاءة إلى مسألة نزاهة يعني بدء تآكل السلطة السياسية.

نقطة التحول كانت جلسة لجنة الشؤون الخارجية في البرلمان، الثلاثاء. اللجنة استجوبت السير أولي روبنز، السكرتير الدائم لوزارة الخارجية، وتناولت تقرير التدقيق الأمني حول ماندلسون. روبنز، الذي أقيل من منصبه بعد تفجر الأزمة، أوضح أن إجراءات التدقيق لم تُنفذ بالصورة التي قدمت للرأي العام.

شهادة روبنز وضعت ستارمر تحت ضغط، وتشير إلى أن الإخفاق لم يكن إجرائياً فحسب، بل كانت هناك ضغوط من داوننغ ستريت أدت إلى التغاضي عن ملاحظات التدقيق الأمني، بهدف تسريع تعيين ماندلسون، (وكانت قد أعلنت في الصحافة) قبل تنصيب الرئيس الأميركي دونالد ترمب في يناير (كانون الثاني) 2025. وفي هذا السياق، يبدو روبنز «كبش فداء» غير مسؤول عن الخلل.

شهادة روبنز (إذا كانت دقيقة) تعني أن المعلومات إما لم تُرفع لرئيس الوزراء بالشكل المناسب، وإما لم يتم التعامل معها بالجدية الكافية؛ وفي الحالتين، يبرز تساؤل جوهري حول دقة ما قُدم للبرلمان.

ثلاث ساعات قبل مساءلة رئيس الوزراء الأسبوعية البرلمانية، الأربعاء، استجوبت لجنة العلاقات الخارجية كات ليتل، المسؤولة عن تقييم المخاطر الأمنية في التعيينات الجديدة في الوزارات. جاءت شهادتها هادئة وتقنية، لكنها حملت دلالات مهمة. فنظام التدقيق الأمني يواجه ضغوطاً متزايدة: تراكماً في الطلبات، وارتفاع الحاجة إلى تصاريح أمنية عالية المستوى، وضغطاً على قدرات الجهات المختصة. والأهم من ذلك، أنها أوضحت أن الخزانة كانت قد حذرت مسبقاً من مخاطر تتعلق بموارد النظام وإجراءاته، وأن هذه التحذيرات لم تُعالج بشكل متساوٍ في مختلف الإدارات.

ووصفت هيكل المسؤولية بأنه «مشتت»: السياسات لدى مكتب مجلس الوزراء، والتنفيذ لدى جهة التدقيق، والتمويل والإشراف لدى الخزانة، في حين تتحمل كل وزارة مسؤولية التطبيق. بمعنى آخر، لا توجد جهة واحدة تتحكم في النظام بالكامل.

هذه البنية تفسر كيف يمكن أن تقع الأخطاء دون أن يتحملها طرف واحد بشكل واضح. لكنها في الوقت ذاته تصطدم بطبيعة النظام السياسي، الذي يبحث دائماً عن مركز مسؤولية واحد، وغالباً ما يكون هذا المركز رئيس الوزراء.

في جلسة مساءلة رئيس الوزراء لاحقاً، واجهت زعيمة المعارضة، كيمي بيدنوك، ستارمر مباشرة، مستشهدة بتصريحاته السابقة، عندما كان زعيماً للمعارضة، بأن على أي وزير يضلل البرلمان أن يستقيل. وهي حجة يصعب تجاهلها، خصوصاً أن ستارمر نفسه، بصفته محامياً ورئيساً سابقاً للادعاء العام، بنى جزءاً كبيراً من سمعته على فكرة أن القواعد يجب أن تُحترم وتُطبق.

دفاع ستارمر يقوم على أنه لم يكن على علم بالتفاصيل المثيرة للقلق. وقد يكون ذلك صحيحاً. لكن في وستمنستر، لا يُقاس القادة فقط بما يُقال لهم، بل بما يحرصون على معرفته.

إذا كشفت الإجراءات الرسمية عن الجانب الدستوري للأزمة، فإن الأجواء السياسية عكست شيئاً آخر. فقد بدت وجوه وزراء الحكومة في البنش الأمامي خلال الجلسة متجمدة، كأنها وجوه التماثيل المعروضة في متحف مدام توسو، مشاعر لا تعكس الثقة.

خارج البرلمان لا تقل الإشارات أهمية. تقارير عن اجتماع محدود للوزراء في مقر تشيكرز، لم يشمل كامل أعضاء الحكومة، إلى جانب تسريبات متزايدة لوسائل الإعلام توحي بأن مرحلة إعادة التموضع السياسي قد بدأت بالفعل، حتى وإن لم تظهر إلى العلن بعد.

لهذا تبدو هذه اللحظة مختلفة عن الأزمات السابقة. فالحكومات قد تتجاوز أخطاء إدارية، لكن يصعب مواجهة شكوك البرلمان في صدقها.

وهنا تكتسب التقارير عن تفكير ستارمر في أفق زمني قصير معنى خاصاً. ففي السياسة لا يسقط الزعماء عند أول خطأ، بل عندما يبدأ الآخرون في حساب لحظة رحيلهم. وعندما يبدأ هذا الحساب يكتسب زخماً خاصاً به.

ما بدأ بوصفه قضية تتعلق بإجراءات التدقيق الأمني تحول إلى اختبار لمدى قدرة رئيس الوزراء على الاستمرار في القيادة.

في النظام السياسي البريطاني يمكن للحكومات أن تتجاوز الأخطاء، لكنها نادراً ما تنجو من التهمة الأكبر وهي تضليل متعمد للبرلمان.