جمعة بوكليب
كاتب ليبي؛ صحافي وقاص وروائي ومترجم. نشر مقالاته وقصصه القصيرة في الصحف الليبية والعربية منذ منتصف السبعينات. صدرت له مؤلفات عدة؛ في القصة القصيرة والمقالة، ورواية واحدة. عمل مستشاراً إعلامياً بالسفارة الليبية في لندن.
TT

بريطانيا خطفَها ماندلسون

استمع إلى المقالة

حين وقف رئيس الوزراء البريطاني الأسبق عن حزب «المحافظين»، بوريس جونسون، أمام «10 داوننغ ستريت» ليعلن استقالته وخروجه من الحكم، ألقى كلمة قصيرة، لعلَّ من أهم ما جاء فيها وصفه لوظيفة رئيس الحكومة البريطانية بأنها «أحسن وظيفة في العالم». قال ذلك رغم أنه خرج منها مطروداً بفعل الأمر الواقع، بعد أن تخلَّى عنه وزراء حكومته وأعلنوا استقالاتهم تباعاً؛ فلم يكن أمامه سوى الرضوخ والرحيل، والشعور بالمرارة والخسارة.

الاتفاق أو الاختلاف مع جونسون في وصفه أعلاه ليس هو المهم، ما دمنا أخذنا في الاعتبار أن الجلوس على كرسي رئاسة الحكومة، في ذلك العنوان التاريخي الشهير، لا يختلف في أغلب الأوقات عن الجلوس على صفيح ساخن. وعلى الجالس هناك أن يكتسب جلداً أكثر سُمكاً وخشونة من جلود التماسيح، ليتحمل حرارة النار.

فكما أن مكتب رئيس الحكومة يمثل البقعة التي تحظى بالأضواء في كامل المسرح السياسي، فإنه في الوقت ذاته يمثل البقعة المستهدفة دوماً بسهام الخصوم والمعارضين والطامعين.

لو توقفنا قليلاً وألقينا نظرة إلى الوراء، لتبيَّن لنا أن مَن سكنوا ذلك المقر لاقوا مصيراً مشابهاً لمصير جونسون، باختلافات طفيفة. فمن لم يُدفَع خارجاً من قبل وزرائه أو حزبه، تولى الناخبون أمره. مارغريت ثاتشر لم تستطع إخفاء دموعها عند المغادرة، وكذلك فعلت تيريزا ماي. أما رؤساء الحكومة الآخرون من الرجال، فقد حرصوا على «سمتهم» ومسحوا دموعهم خلف أبواب مغلقة.

اللافت في أمر السير كير ستارمر، رئيس الوزراء العمالي الحالي، أنه دخل مرحلة الخطر مبكراً، وأن بهجة الجلوس على الكرسي التاريخي تلاشت سريعاً، بعدما أُشعلت تحت قدميه نيران شديدة السخونة، فتحولت البهجة إلى ألم ووجع. وبقاؤه في منصبه اليوم بات يعتمد كلياً على درجة سُمك جلده في تحمل تلك الحرارة.

يعيش ستارمر اليوم الوضعية ذاتها التي ذاق مرارتها أسلافه، ويشرب من الكأس المريرة ذاتها؛ إذ تجري عملية الدفع به خارج المقر علناً من قبل خصومه داخل حزبه، ومن معارضيه في الأحزاب الأخرى، بينما لم تدَّخر وسائل الإعلام البريطانية –ولا سيما المحافظة منها– جهداً في هذا السياق. ولعل هذه المحاولات تنجح هذه المرة، ليجد السير ستارمر نفسه أمام الباب الخارجي محاصراً بعدسات الإعلام الدولية، وهو يلقي خطاب وداع أخيراً، وينضم إلى قائمة من سبقوه.

ثمة حكاية مصرية تُروى عن زعيم «الوفد» سعد زغلول في العهد الملكي، تقول إنه كان إذا كان في طريقه إلى لقاء مستعجل نبَّه سائقه بعبارة: «لا تُسرع، فأنا مستعجل»، لضمان الوصول سالماً.

ولكن في زحمة الأحداث، ينسى بعض الساسة الحكمة التي تؤكد أن في العجلة الندامة. فتأتي النتائج عكس ما تمنّوا. وهذا تحديداً ما حدث للسير ستارمر حين أراد التعجيل بتعيين سفير لبلاده في واشنطن، لكسب رضا الرئيس الأميركي دونالد ترمب، فأخطأ مرتين: الأولى حين اختار بيتر ماندلسون للمنصب. وماندلسون ليس دبلوماسياً محترفاً؛ بل هو سياسي معروف تقلَّد مناصب وزارية في حكومتَي توني بلير وغوردون براون، وعمل قيادياً في الاتحاد الأوروبي، ولكن سجله المهني وسيرته الشخصية ليسا ناصعَي البياض كما ينبغي. أما الخطأ الثاني، فكان الرغبة في تسريع إرساله إلى واشنطن على حساب انتظار ما تأتي به التقارير الأمنية، ما تسبب في أزمة سياسية أدت لإقالة كبير موظفي وزارة الخارجية، بعد إخفاقه في إيصال تقرير أمني لرئيس الحكومة يؤكد عدم صلاحية السفير للمنصب.

حاول ستارمر استخدام «قميص عثمان» عبر إلقاء اللائمة على الموظف المطرود، مؤكداً عدم علمه بالتقرير. ولكن شهادة الموظف أمام لجنة الشؤون الخارجية بمجلس العموم فيما بعد، أبانت أن مكتب رئيس الحكومة كان المسؤول عما حدث؛ بل ولم يرَ حاجةً للتقرير الأمني أصلاً، فكل همه كان تسريع وصول السفير.

الكشف في أميركا إعلامياً عن رسائل الملياردير الراحل جيفري إبستين، المتهم بجرائم أخلاقية مشينة، رفع الغطاء عن علاقة وطيدة ربطته بماندلسون، واستمرت حتى وفاة إبستين في سجنه. ومع فتح «صندوق باندورا» هذا، وجد ستارمر نفسه مجبراً على سحب ماندلسون من منصبه في واشنطن، وتعريض نفسه لحملة شرسة من خصومه ومعارضيه. وتحول الكرسي الذي يحلس عليه إلى صفيح ساخن فعلياً.

نجاة ستارمر من الأزمة الحالية وبقاؤه في الحكم -لو حدث- يعد مؤقتاً. فالانتخابات المحلية في السابع من مايو (أيار) المقبل لا تحمل أخباراً سارة لحزب «العمال» حسب استطلاعات الرأي. وبالتالي فإن نجاة رئيس الوزراء من هذه الدائرة المعتمة لا تعني التخلص من تبعاتها بصورة نهائية؛ إذ من المرجَّح أن تكون لصيقة به أينما حلَّ، مثلما تلتصق رائحة حرب العراق بتوني بلير.

نقول هذا لأنَّ ذلك ما يجري فعلاً، ولكننا نتساءل: ما كل هذا الضجيج الذي لم يتوقف حول قضية ماندلسون؟ فلا القضية توقفت ولا هي حُسمت، وكأن البلاد لم يكن فيها إلا ماندلسون وقضيته. نسي السياسيون كل شيء من الغلاء إلى الجريمة إلى تردي الأوضاع الاقتصادية، فغدت بريطانيا هي ماندلسون.