محبة الشيء لا تعني بالضرورة إجادته. فما أكثر من يحب الغناء لكنه لا يملك صوتاً، ويحب الإدارة ولا يحسن أبجديات قيادة الناس. إتقان الشيء أو إجادته، والصبر على النقد، والرغبة في التطوير المستمر، أساس النجاح. حب الشيء حالة نفسية، لا تضمن التفوق بالضرورة، لأنها قد تدفعنا نحو الاتجاه الخطأ، إذ تفوت علينا فرصاً أفضل.
الحب شرارة لكنه ليس مهارة. فمن يُحِبون كرة القدم كُثُر لكن أحداً لا يجرؤ على ضمهم لفريقه. وكم من مشجع انتفخت أوداجه من سوء أداء فريقه المفضل، لكنه لو نزل إلى أرض الملعب، صار أضحوكة الجماهير. ولذلك قالت العرب: «أعطِ القوسَ باريها» أي اسند الأمر إلى من يُحسنه.
الدراسات في علم النفس تؤكد أن من يفتقرون إلى المهارة اللازمة قد يبالغون في تقدير قدراتهم، لسبب بسيط وهو افتقارهم إلى مهارات «ما وراء المعرفة» التي تمكنهم من تقييم جودة أدائهم واكتشاف أخطائهم، بحسب دراسة «المهرة وغير المدركين لذلك» المنشورة عام 1999 للباحثَين جاستن كروغر وديفيد دننغ من جامعة كورنيل.
العالمان استعرضا ظاهرة معروفة في الأدبيات النفسية تُسمى «تأثير أفضل من المتوسط»، حيث أظهرت دراسات سابقة أن كثيراً من الناس بمَن فيهم المديرون والرياضيون والطلبة يميلون نحو الاعتقاد بأن قدراتهم تفوق قدرات الشخص العادي. هذه الدراسة ذاع صيتها لأنها وضعت تفسيراً للثقة المفرطة.
اللافت أن ما يسميه العلماء بـ«الممارسة المتعمدة» تكشف لنا أن الخبرة لا تأتي من الحب وحده، بل من التدريب المركز، والمراجعة المستمرة للأخطاء.
التاريخ يزخر بقصص الحب التي لم تقد أصحابها بالضرورة نحو التفوق. فقد أحب الأسطورة مايكل جوردن لعبة البيسبول تاركاً السلة مؤقتاً، ثم ما لبث أن عاد إلى لعبة السلة ليصبح الأيقونة الأشهر عالمياً. وكان رئيس الوزراء البريطاني تشرشل يحب الرسم والأدب غير أن السياسة هي التي خلدت اسمه. وهو مثال على أن حب الشيء ليس ضرورة حتمية للتفوق فيه بل قد يكون ملاذاً للراحة من عناء يوم طويل.
وهذا يعني ضرورة المرونة والتكيف مع أمواج الحياة وفرصها، فقد تأخذنا إلى ضفة لم نكن نتوقع يوماً أنها الخيار الأنسب.
وأكثر ما يحول بيننا وبين أفضل القرارات واستيعاب مكمن المشكلة في ذواتنا والآخرين هو الجهل. ولذلك قيل إن «الجهل يُنجب الثقة أكثر مما تنجبها المعرفة».
