قبل عقود من ظهور الذكاء الاصطناعي، أسهمت الدعاوى القضائية، التي يقيمها أشخاص يمثلون أنفسهم، في إحداث تعديلات هائلة في القانون. أرست عريضة مكتوبة بخط اليد عام 1963 قدّمها إلى المحكمة العليا كلارينس إيرل، مدان كان يبلغ 52 عاماً في سجن ولاية فلوريدا، حقاً دستورياً في الحصول على استشارة ومساعدة قانونية في قضايا الجنح في محاكم الولايات. وقال ساتيش نوري، وهو محامٍ يعمل في مجال المساعدات القانونية في نيويورك طوال 20 عاماً، إنه قد استخدم الذكاء الاصطناعي منذ عامين بعدما تبين له أن مصادر المساعدة القانونية في نيويورك غير كافية، ولا تلبي احتياجات المدينة.
كانت الشكوى، التي قدمها دونالد سُوف في ولاية مينيسوتا خلال العام الماضي، مألوفة في المحاكم الفيدرالية بالبلاد. وقد أقام دونالد الدعوى، بحسب لغة القانون، عن نفسه، أي بصفته الشخصية ودون توكيل أي محامٍ، في مواجهة زوجته السابقة، ومحاميها وقاضٍ بالولاية رفض إحدى دعاواه القضائية السابقة بوصفها «تافهة».
وكان دونالد قد أقام دعوى قضائية في أوراق مكتوبة بخط اليد يطالب فيها بتعويض مالي قدره 275 ألف دولار زاعماً حرمانه من منزله دون وجه حق. وقد استغرق القاضي جيري بلاكويل شهراً لرفض القضية استناداً إلى انتفاء الاختصاص القضائي. وبعد 3 أشهر عاد سُوف، لكنه حصل على المساعدة هذه المرة. وقد أقام سُوف دعوى قضائية جديدة أمام محكمة فيدرالية باستخدام تطبيقي الذكاء الاصطناعي «تشات جي بي تي» و«كلود».
وهذه المرة، كانت الوثيقة مكتوبة بشكل منمق ومنضبط ومرفق بها 50 ملفاً إضافياً، من بينهم «تحليل للسوابق القضائية» من بحث قانوني قال إنه يدعم ادعاءه. وقال دونالد خلال مقابلة إن الذكاء الاصطناعي قد أتاح له «مسار التقدم الوحيد» لقضيته، وأضاف قائلاً: «إن المعرفة قوة».
وقال قضاة فيدراليون وخبراء قانونيون إنهم يرون بشكل متزايد ملفات مثل تلك التي قدمها دونالد تغزو سجلات المحاكم، وتشكل ضغطاً على نظام مثقل بالأعباء، في ظل دعم الذكاء الاصطناعي لإقامة الدعاوى القضائية من دون الحاجة إلى توكيل محامين، حتى إن كان يفتح أبواب النظام القضائي أمام أشخاص لم يكونوا ليتمكَّنوا من تحمل نفقات إقامة دعاوى قضائية لولا وجوده.
كانت النتيجة النهائية بالنسبة لدونالد هي نفسها، ففي سبتمبر (أيلول)، وبعد شهرين من إقامة الدعوى القضائية، رفض القاضي باتريك شيلتز، رئيس محكمة المقاطعة في ولاية مينيسوتا، الدعوى مرة أخرى، ولكن تلك المرة في وثيقة حيثيات من 14 صفحة أكدت فشل المدعي في إثبات ادعائه وزعمه. مع ذلك كان من اللازم قراءة موظف المحكمة كل ملف قدّمه دونالد، والتعليق عليه، وإدراجه في السجلات العامة الحكومية. وأصدر شيلتز أمراً بـ«تمزيق أي ملفات أخرى دون أي إخطار إضافي». وكتب شيلتز: «لا يمكن لمدعي إتخام محكمة بمئات الصفحات من الوثائق، وتوقع مراجعة المحكمة لها جميعاً للعثور على حقائق أو ادعاءات قد تدعم مطالب بحق مدعى عليه».
وقال قضاة وخبراء في مقابلة إن هناك مزايا محتملة لاستخدام متقاضِينَ ممثلين لأنفسهم للذكاء الاصطناعي. وكتب أحد القضاة قائلاً: «يحمل الذكاء الاصطناعي وعداً عظيماً، بتعزيز الحصول على العدالة، بالنسبة لمن لا يملكون الموارد للاستعانة بمحامٍ ومساعدة من يمثلون أنفسهم ليفعلوا ذلك بنجاح».
كذلك يناقش بعض القضاة الفيدراليين طرقاً تتيح استخدام الذكاء الاصطناعي بشكل مسؤول، للمساعدة في سير العمل في المحاكم، مشيرين إلى إمكانية استخدام الذكاء الاصطناعي يوماً ما في مساعدة الموظفين في قراءة، وتقييم عدد أكبر من الملفات.
مع ذلك على الجانب الآخر، أكد كثير من القضاة على خطورة المشكلات الناجمة عن ضغط العمل الحالي، بسبب الملفات التي تقدم من مدعين يمثلون أنفسهم بمساعدة الذكاء الاصطناعي. ووصف شيلتز، الذي رفض مناقشة أي قضية بعينها، المشكلةَ بوجه عام بأنها «تهديد وجودي للمحاكم الفيدرالية».
لقد تسبب وصول الذكاء الاصطناعي في زيادة «عدد وطول وتعقيد» الملفات التي يقدمها مدعون يمثلون أنفسهم، بحسب ما أوضح. وقال: «لا تلوح أي نهاية في الأفق، وكذلك لا يوجد حل مُرضٍ».
وتعمل محاكم المقاطعات كل عام على نحو 300 ألف قضية جديدة، فضلاً عن 42 ألف قضية جديدة تُقام أمام محاكم الاستئناف. وتمثل الدعاوى، التي يقيمها أشخاصٌ يمثلون أنفسهم، ثلثَ حجم القضايا مجتمعة، بحسب بيانات جمعها المكتب الإداري للمحاكم الأميركية الذي يساعد في الإشراف على النظام القضائي الفيدرالي.
وأكثرُ هؤلاء سجناء يستخدمون المكتبات القانونية في دعم حقوقهم المدنية أو الاعتراض على ظروف السجن، في حين كانَ آخرون أشخاصاً عاديين غير قادرين على تحمل نفقات الاستعانة بمحامٍ، أو أشخاصاً يعتقدون أنهم أفضل من أي محامٍ في تمثيل أنفسهم. وقد خسر 96 في المائة من المدعين، الذين يمثلون أنفسهم، الدعاوى التي أقاموها بين عامي 1998 و2017.
مع ذلك يقول قضاة ومحامون وأكاديميون إن حجم الملفات، التي يقدمها مدعون يمثلون أنفسهم، قد زاد بشكل كبير مع انتشار استخدام الذكاء الاصطناعي. وزادت نسبة هذا النوع من القضايا بين صفوف الأشخاص غير السجناء من 11 في المائة، من إجمالي القضايا المدنية منذ خمس سنوات إلى 16.8 في المائة، بحسب دراسة جديدة أجراها باحثان للدكتوراه.
ووجدت الدراسة أن جزءاً كبيراً من الزيادة سببه استخدام المدعين، الذين يمثلون أنفسهم، للذكاء الاصطناعي. وازداد عدد الدعاوى القضائية، التي يقيمها أولئك الأشخاص، والتي رُجح احتواؤها على نصوص مولّدة باستخدام الذكاء الاصطناعي، من صفر افتراضي عام 2019، إلى أكثر من 18 في المائة عام 2026، بحسب ما أشارت الدراسة.
وقال أناند شاه من معهد ماساتشوسيتس للتكنولوجيا، وأحد مؤلفي الدراسة المذكورة: «لا يزال لدى القضاة 24 ساعة في اليوم. لا بد أن تنهار الأمور في وقت ما». تكمن قوة الذكاء الاصطناعي بالنسبة إلى المدعين الذين يمثلون أنفسهم، في قدرته على تحويل بعض الأوامر القصيرة الصادرة عن مستخدم إلى وثائق طويلة لها عناوين رئيسية واقتباسات وعلامات أخرى لموجز قانوني منطقي سليم.
وقال ستيفن دانوهيو، وهو محامٍ لدى محكمة مقاطعة مينيسوتا الأميركية، والمسؤول عن مراجعة ملفات الدعاوى القضائية التي يقيمها أشخاص ممثلون لأنفسهم، إنه قد لاحظ زيادة قدرها نحو 50 في المائة في عدد الملفات المقدمة من أشخاص غير سجناء بداية من مارس (آذار) 2025. وأشار إلى وجود زيادة في جميع أنواع تلك الدعاوى القضائية بما فيها الدعاوى التي تزعم عمليات اعتقال ملفقة ومحاكمة تتضمن أذى متعمد ونزاعات أسرية فوضوية تشمل الطلاق. وتضمنت القضايا في بعض الأحوال «الجانب الأكبر من القضايا اليومية» التي تُقام حالياً أمام محكمة فيدرالية بمساعدة تطبيقات للقانون الفيدرالي مستلهمة من الذكاء الاصطناعي. وقال: «يمكن أن تتحول كل عملية إخلاء منزل إلى انتهاك لقانون الإسكان العادل».
ومع وجود إشراف بشري دقيق، يمكن لمخرجات الذكاء الاصطناعي أن تنافس أحياناً عمل شخص مهني قانوني، على الأقل في أمور بسيطة مثل صياغة عقد إيجار. مع ذلك قد يؤدي اللجوء إلى الذكاء الاصطناعي في القضايا الأكثر تعقيداً، إلى جانب أمور قد لا تكون ملائمة لأن تصبح قضية، أحياناً إلى كتابة صفحات من النصوص شبه القانونية غير الجديرة بالنظر فيها قانونياً».
وقال القاضي جوشوا ولسون من مقاطعة بنسلفانيا الشرقية خلال مؤتمر قضائي في مايو (أيّار): «أيها القضاة ابحثوا عن الحقيقة» في سياق حديثه عن تداعيات الذكاء الاصطناعي. وأضاف قائلاً: «عندما تكون هناك إمكانية لجعل الأمور تبدو كالحقيقية لكنها فعلياً ليست كذلك، وتنخفض التكلفة وترتفع الجودة، فهذا هو التحدي الحقيقي أمامنا كمحاكم».
ولم ترد شركة «أنثروبيك»، التي تمتلك تطبيق «كلود»، على طلب التعليق على الأمر. كذلك رفض متحدث باسم شركة «أوبن إيه آي»، التي تمتلك تطبيق «شات جي بي تي»، التعليق. وتنص شروط الاستخدام الخاصة بمنتجي الشركتين على مسؤولية المستخدمين عن المخرجات والتي لا ينبغي استخدامها «بديلاً للاستشارة المهنية المتخصصة».
ورغم تلك العوائق والعيوب، قال قضاة ومحامون إنه من الممكن إتاحة استخدام الذكاء الاصطناعي بشكل منتشر لصالح النظام القضائي، حيث يسهم في فتح أبواب المحاكم أمام أشخاص لا يستطيعون تحمل تكلفة الاستعانة بمحامين. وقال دانوهيو: «يمكن أن يصبح (الذكاء الاصطناعي)، إذا ما استُخدم بشكل ملائم، أداة قوية بشكل مذهل لصالح شخص يعتقد أنه تعرض للظلم، ويؤمن بحقه في تصحيح الأمر».
لكنَّ المحاكم ليس بوسعها منع تلك الدعاوى القضائية حتى إذا أرادت ذلك؛ فللناس الحق في إقامة دعاوى قضائية إذا كانوا يعتقدون أن لديهم مطلباً؛ إذ قال المتحدث باسم المكتب الإداري للمحاكم الأميركية بيتر كابلان، إن مكتبه كان «مدركاً لهذه المسألة»، و«يجمع معلومات» تتعلق بآثارها على النظام القضائي.
*خدمة «نيويورك تايمز»
