عبد الله الغذامي
كاتب سعودي
TT

ألاّ تعرف... ذاك هو الخبر!

استمع إلى المقالة

هل تغير معنى نشرة الأخبار...؟!

مرت الأزمنة على أن الخبر قيمةٌ دلالية تنحصر في فعل الإخبار كما هو مفهومه اللغوي، ووظيفة الخبر حينئذٍ محصورةٌ في إخباريته وليس في جمال لغته أو مجازيته. ولكننا اليوم على مشارف تغيرٍ نوعي للمعنى الإخباري، وهناك بدعةٌ إعلامية ابتكرتها الفضائيات، وتأتي هذه البدعة باجتراح صيغة تستبدل الوظيفة الإخبارية إلى صيغة تقوم على ثنائية مجازية، هي «أن تعرف وتجهل في آن»!

الفضائيات تجهد بأن تقنعك بأنك لا تعرف الأخبار ولا يكفيك السماع ولا المشاهدة؛ فهناك ما بين السطور، وبما أنه في فضاء النص فسيخفى عليك. وابتكروا لذلك مقولة «ما وراء الخبر»؛ لكي تظل رهن تفسيرات وتأويلات ضيوف القناة الذين وقع قدرهم وقدرك بأن تشتبكوا مع بعض والكل يحتاج إلى الكل لتحقيق المشاهدات المطلوبة. ومن ثم فسنحتاج إلى مرشدٍ إعلامي يقودنا في سراديبَ يبتكرها المرشد لنا ثم يدفعنا بين مغباتها. وهذه مجازيةٌ إعلامية تضاف إلى وظائف الرسالة الإعلامية.

ولدي متعةٌ في مشاهدة تحليلات الفضائيات رغم أني لا أجد سبباً عقلياً أو معرفياً يدفعني لهذا الهم اليومي، ولكن يبدو أننا كلنا متورطون في مجازية مخاتلة تخضعنا لحبائلها ولا فكاك لنا منها لدرجة التشابك اللحظوي معها. ولو حدث وانشغلت عنها فهناك ما يحسسك أنك في حاجة إلى ما وراء الخبر؛ لأنك أمام وعود بكشف الما وراء. وأتساءل دوماً: هل أنا تحت تأثير لعبة الوعد الذي يتردد حول فكرة «ما وراء الخبر»، وهل وراء الأخبار من شيء يمكن لأي أحدٍ منا الإمساك به...؟! ولنأخذ حالةً بارزةً تعرّي هذه المجازية، وقد تكشفت عنها حال أسلوبيات ترمب في صناعة الأخبار وربطها به، ومن ثم إجبار العالم كله على تلقط أخباره، وحكاياته مع أخبار منطقتنا عجائبية حقاً، فترمب مثلاً لا يستيقظ إلا بعد مرور أحداث منطقتنا وتكون كلها حدثت وعلمنا عنها وهو نائمٌ. وصباح أميركا هو مساؤنا وأحداث الشرق تقع بينما «الفاعل الإخباري» لما يزل في سبات. وهذه حالةٌ درامية بما أننا مع محللينا نظل كلنا نهاراً كاملاً وهم يحللون ونحن نستمع، ولكن قناعاتنا تقول لنا إن المحللين ينظرون للغرب البعيد وينتظرون يقظة النائم لكي يمنح تحليلاتهم معنى. وهو معنى لن يكون وراء الخبر حينئذٍ، ولكنه عملياً سيولد بعد الخبر حين يستيقظ صانع الأخبار. ولا أحد يجزم بما سيقوله ترمب، وغالباً يقلب الطاولة على الجميع كما هي لعبته المفضلة. وعندنا مثل شعبي يقول «فلان جاب العيد»، وآخر يقول «فلان كبّ العشا»، وكلاهما يعني حدوث غير المتوقع ويبلغ حدود قلب التوقعات والإتيان بالعجب، وأرى المثلين يتجليان في ترمب. وهذه متعةٌ تضاف لفعل الأخبار، وهي متعة لي ولمن هم مثلي مفتونون بلعبة المجاز. ولقد أمضيت عمري كله في المتعة المجازية منذ مطالع حياتي في حبي للشعر والمجاز الشعري، وحين أصبحت أكاديمياً ظللت أتغذى بالمجازية وأصبحت مصدر رزقي، ليس فقط في مرتب الجامعة، بل أيضاً في قيمتي المعنوية بين البشر وفي ذاكرة الثقافة. فالمجازية هي التي تغذي النظريات النقدية وتعطينا فرصاً هائلةً كي نكتب كتباً وحتى توريقات كهذه. وحدث أيضاً أن رزق المحللين السياسيين صار مثل رزقنا، حيث يلاعبون الأسنة مثلنا، وهي في حالينا معاً ليست أسنة رماح، وإنما هي أسنة الكلمات. وما بين صباح أميركا ومساء الخليج العربي تلعب المجازات لعبتها كما لعبة مباريات كرة القدم بين فرق كبرى وصغرى وكرةٍ فارغةٍ، لكنها توقد نيران الجماهير ما بين فائز وخاسر. والسيد ترمب يلعب مع العالم كله، حيث الآخرون غيره ما بين فرح وحزين، وهو وحده اللاعب الوحيد المحتكر لتسجيل الأهداف أو تضييعها دون خوف من إنهاء عقده. لكن اللعبة كعادة أي لعبة ترتد على لاعبها، فترمب يستمتع باللعب اللغوي ويتعامل مع المجازات اللغوية ليس لكتابة نص أدبي يتولى النقاد تحليله ويتمتع به القراء، ولكن النص يتحول مع ترمب إلى حبكة سياسية توظف الاستعارات وأنظمة الصيغ السردية والمجازية من حيث كون التناقض خاصيةً أسلوبية والمبالغة خاصيةّ شعرية مع توظيف التورية التي تعني معنيين، أحدهما قريبٌ ومباشر والآخر بعيد ويحتاج إلى كشف. وهذا تحولٌ نوعي لم تعهده الخطابات السياسية، حيث شرط الإعداد المتقن والتدقيق في العبارات مع توقع الأسئلة قبل المواجهة وتهيئة أجوبة لما هو متوقع، وإن طاش سؤالٌ لم يتوقعه أحدٌ فإن الرد عليه عادةّ هو: «لا تعليق». وعبارة لا تعليق تعني الصمت، والصمت بلاغةٌ أسلوبية تغطي الهروب وتجعل الهروب لغزاً فتنشط التحليلات والتوقعات لما هو خفي وغير مسموح بكشفه حتى وإن لم يكن هناك شيء أصلاً.

أما دونالد ترمب فقد قلب الخطاب اللغوي ليخلط الأدبي بالسياسي، والبلاغي بالعقلاني، والقرار بالأمنيات. ولا يعطي مجالاً لسامعيه لسماع كلمة فاصلةٍ بما أن التناقض سمةٌ أسلوبيةٌ محمودةٌ في السرديات وجعلها ترمب خاصيةّ سياسية يستمتع بها وكأنها مزيته الأولى. غير أن اللعبة ارتدت على صاحبها؛ ذاك لأن هذه السلوكيات الأسلوبية توهم صاحبها بجماليتها الخلابة فتجرّه للوقوع في الثرثرة. والثرثرة أخطر مقاتل المجاز؛ ولذا عرّف كوهين الشعر بأنه «أن تعرف متى تقف»، أي أن المهارة هي في التقاط لحظة كسر تدفق الكلام وهي اللحظة الشعرية، بحيث يظل المعنى معلقاً في فضاءات الاستقبال ويسهر الخلق جراها ويختصمون كما تمنى المتنبي لقصائده لكي تخلد وتبقى خالدةّ ولو بلغت مداها في لحظة تكوينها لانتهت مع وقتها الذي اكتملت فيه.

والمجازية مثل الفرس لا تلين إلا لفارس يمهر في لجمها بمثل ما يمهر في إطلاقها، ومن لا يتقن الحركتين معاً ستطرحه الفرس أرضاً، ومن هنا تمتحن المجازية مستخدمها ومدى قدرته على تركها وحدها لتصنع أثرها وليس لفظها، فإن تجاوز المتكلم لحظة الوقوف ضربته بالثرثرة وتركته يتلوى تحت وقعها، وهذا امتحان رسب فيه ترمب؛ ولذا ظل يثرثر.

ومثله وقع المحللون في الثرثرة، ولم يفارقني قط تساؤلٌ حول المحللين: ألا يضجرون من لعبة التحليلات التي ديدنها أنها لا تصدق، وهل ينسون ما قالوه من قبل حتى ليكرروه ثانيةً وثالثةً...؟!، لكن تساؤلي يتبخر فوراً لأني أنا لم أمل من ثرثراتهم، بل لا أتذكر ما قالوه قبل ساعة، ربما بسبب كثرة الكلام، والكلام إذا كثُر أنسى بعضه بعضاً كما هي كلمة أبي بكر الصديق (رضي الله عنه) حين نصح ولاته بتجنب الإطالة في الخطابة. والحاصل أننا مع المحللين نقع في لعبة الكلمات والثرثرة تواشجاً مع ثرثرة ترمب. وحالنا كلنا تشبه المراهنات على سباقات الفروسية في بريطانيا، حيث هي ثقافة متأصلة لا يملون منها رغم أن السباق هو نفسه كل مرة، والخيول هي الخيول والميدان نفسه. والفارق فقط بفرس يفوز ويحسم المكاسب والخسائر، وفي حالنا مع ترمب فنحن في مراهنات تحليلية على واحدٍ هو وحده من يحدد الخاسر أو الفائز، وهذه هي المخاتلة المجازية لأن شرط اللعبة هو «ألا تعرف»؛ لأن وراء الأخبار أكثر مما فيها، وتتعطل الوظيفة الإخبارية لأن صانع الأخبار لا يريد أن يختم حكاياته، وإذا فرغ من واحدة اشتبك مع أخرى. وهذا لغز جاذبية ترمب؛ إذ يريد ربطنا به بنية أن نعرف، غير أن متعته هي ألا نعرف، وهذه الحبكة السحرية هي ما تجعلنا دوماّ في انتظار خبرٍ منه.