جمعة بوكليب
كاتب ليبي؛ صحافي وقاص وروائي ومترجم. نشر مقالاته وقصصه القصيرة في الصحف الليبية والعربية منذ منتصف السبعينات. صدرت له مؤلفات عدة؛ في القصة القصيرة والمقالة، ورواية واحدة. عمل مستشاراً إعلامياً بالسفارة الليبية في لندن.
TT

استنطاق الجدران

استمع إلى المقالة

يحدثُ مصادفةً أن تكونَ في بيتك مع أفراد عائلتك، ثم فجأةً تسمع طَرقاً على الباب الخارجي أو رنين جرس، فتنهض لمعرفة مَن الطارق وماذا يريد. وحين تفتح الباب تجد أمامك شخصاً غريباً -رجلاً أو امرأةً- يحييك بأدب ويخبرك بأنه قضى جزءاً من طفولته وصباه في البيت، وجاء قصداً برغبة استعادة بعض ذكرياته. فهل تأذن له بالدخول؟ أم تتردد قليلاً وتتركه ينتظر أمام الباب؟

من المستبعد في لحظة مثل تلك أن ترد طلبه، وتغلق الباب في وجهه.

الحنين (النوستالجيا) إلى ما مضى من حيواتنا مثل ظل يتبعنا. يظهر ويختفي، يطول أو يقصر، تبعاً لتغيُّر الفصول. وله طُرقٌ عدةٌ يتسرب منها إلى المرء منَّا. وهو منصف، لا يفرق بين شخص وآخر سوى في الدرجة. متى وجد الفرصة مناسبة وفُتحت أمامه الأبواب يبرز ويستولي على ذاكراتنا وأحاسيسنا. أحياناً يتسرَّب إلينا مثل قطرات ماء تشق طريقها في صخر، صامتة ومثابرة.

كلما طالت بنا رحلة العمر تلبَّسنا حنين غامر بالعودة إلى طفولتنا وصبانا. وإن صدف ورمت بنا المقادير في مَهاجر بعيدة نعيش بين أناس غرباء وثقافات ولغات غريبة، يباغتنا الحنين إلى أوطاننا في أشكالٍ متعددة. ولو كان بعضنا على علاقة بالكتابة والأدب، يكون الشعر -في أغلب الأحيان- الملجأ الذي نتيح فيه لذلك الحنين الظهور؛ مرَّات بشكل مبالغ فيه، ومرَّات أخرى بتلميح واستحياء.

بالعودة إلى الطارق الغريب على الباب، فإن السماح له بالدخول يكون قرارنا الذي اتخذناه بدافع التعاطف من جهة. ومن جهة أخرى كونه يذكرنا بأنفسنا والبيوت التي عشنا بها. وفي الوقت ذاته، يعني كذلك أننا نفتح أمامه متن حياتنا العائلية، ونمنحه هامشاً صغيراً يكتبه ليستعيد نتفاً من طفولته وصباه. أدب الضيافة يفرض حضوره علينا، فلا نجرؤ على سؤاله وهو يتنقل في أنحاء البيت، مستحضراً ذكرياته الماضية.

نحن -تلك اللحظات- على دراية بأن الطارق الغريب لم يأتِ للبيت ليرانا أو ليتكلم معنا؛ بل جاء ليستنطق الجدران، ولكي يسمع صدى صوته الطفولي القديم. ذلك المشهد يصدمنا في البداية، ثم نبدأ بعدها في محاولة قراءة ما يظهر من تفاصيل على ملامح وجه ذلك الغريب. الأمر عادي جداً، قد يحدث لأيٍّ منا في أي يوم. وعاديَّته تلك هي التي تجعلنا لا نتوقع أن يحدث لنا، وبالتالي لا نفكر فيه.

بعد مغادرته، تظهر لنا فجأة حقيقة منسية. وهي أن البيت الذي يضمُّنا ونسميه بيتنا لا يحتوي فقط على أشيائنا وأنفاسنا وذكرياتنا؛ بل أنفاس وذكريات من سكنوه قبلنا أيضاً. ونتذكر أن لنا شركاء لا نعرفهم شخصياً، ولكن بالإمكان تخيُّلهم ورصد ما تركوه خلفهم. وما ينطبق على البيوت -في رأيي- يطول الأوطان. فالأوطان هي أيضاً بيوت؛ لكن أكبر مساحة. نُولد ونكبر فيها، ونبذر بين جدرانها آمالنا وأحلامنا، ونُودِعها ذكرياتنا.

ما السرُّ يا ترى وراء الحنين الذي يأكل من قلب مهاجر مثلاً، ويجعله يحلم بعودة إلى بلاده، وهو يعرف مسبقاً أنها قد لا تتحقق مطلقاً؟

طبيعة الأسئلة التي تظل بلا إجابات أنَّها لا تغادر. تبقى في العادة تلاحقنا وتربك حيواتنا وروتينها اليومي. والحنين لو تمعَّنا فيه قليلاً لاكتشفنا أنه أقرب إلى سؤال بلا إجابة. وهو -في الوقت ذاته- عاطفة وجدانية عميقة وجيَّاشة ومجرَّبة من أغلبنا. ولهذا السبب قد يتحوَّل إلى ما يشبه القوة الجامحة داخلنا إذا وجد الفرصة. تلك القوة هي التي تستحوذ على الروح والعقل معاً، بخاصة في حالة المهاجر المذكورة أعلاه، والتي هي حال كثيرين، فلا نرى حينئذٍ إلا ما يجيش في داخلنا من صور وذكريات، نهفو لاستعادتها مع علمنا باستحالة ذلك.

الحنين عاطفة أشدُّ مكراً مما نتخيَّل؛ فهو مَن يختار فريسته ويختار التوقيت، وليس أنسب له من عقل وقلب مهاجر تفتك به الوحدة.

العلاقة بين الحنين والوحدة بنيوية في جوهرها؛ فكلما استوطنتِ الوحدةُ قلبَ المرء والتفَّت كأفعوان بحياته، يباغته الحنين مستفرداً به. ولا مهرب.