يلفت انتباهي بين حين وآخر، إصرار الناس على جواب واحد لكل سؤال. وهذا - في ظني - من أهم الأسباب التي تجعلنا غير قادرين على الاستفادة من نقاشاتنا، أو التوصل عبرها إلى تفاهمات مفيدة أو قناعات جديدة.
ويبدو أن هذه الفكرة؛ أي أن لكل سؤال جواباً واحداً فقط، راسخة في أذهاننا، حتى إن تأثيرها يظهر خارج إطار النقاش، فترى الكُتّاب والخطباء يطلقون أحكاماً جازمة على المواضيع التي يبحثونها، يعرضونها في «فترينة» الحق الوحيد، الذي لا يمكن أن يوازيه رأي آخر يخالفه في قليل أو كثير. مع أن كل فكرة هي احتمال واحد من بين احتمالات عدة، فالرأي المنشور يمكن أن يكون أحد الاحتمالات، كما أن الآراء المقابلة له احتمالات، في المستوى نفسه، وهي قد تكون واحداً أو اثنين أو عشرة.
في السياسة والصحة والتجارة والتسويق والميكانيكا والفيزياء والأخلاق، بل كل حقل من حقول المعرفة الإنسانية، نتوصل إلى رأي في موضوع، ثم يتوصل غيرنا إلى رأي مختلف، ويأتي بعده رأي ثالث ورابع، وهكذا. ولا يمكن للعالم أن يسير أو يتقدم، لو أصر الناس على رأي وحيد. تخيلْ لو أن معاصري غاليليو، المكتشِف الإيطالي الشهير، نجحوا في كبْت آرائه، استناداً إلى أقوال العلماء الأقدم منه (وهم يومذاك أشهر منه وأرفع مكانة) نظير كوبرنيكوس أو ابن الهيثم أو أرخميدس أو أرسطو، فهل كنا سنعرف ما أنتجه من مبادئ أساسية في الفيزياء الحديثة، مثل القصور الذاتي والسقوط الحر، وحتى مركزية الشمس في الكون، التي حاكمته الكنيسة لأجلها؟
إن أعظم التطورات في مجال المعرفة الإنسانية (بما فيها المعرفة الدينية) هي ثمرة القبول بمبدأ تعدد أوجه الحقيقة. كما أن تاريخ العلم برهان ساطع على بطلان القول بأن الحقيقة ذات وجه واحد.
تبدو هذه الرؤية بديهية عند أكثر الناس، لكنهم مع ذلك لا يأخذون بها حين يصل الأمر إلى مواضع الاشتباك. ألا يستدعي هذا السلوك تساؤلاً عن السر وراء إيمان الإنسان بشيء ثم العمل بخلافه؟
ذلك السلوك يرجع - في ظني - لعوامل عدة، قد تجتمع عند بعض الأشخاص، أو يغلب واحد منها عند آخرين. وأول تلك العوامل هو المسافة بين موضوع الرأي وبين الذات. لو قلت مثلاً إن المسلمين أقل تسامحاً من المسيحيين، فالمتوقع أن الغالبية الساحقة من أطراف النقاش (المسلمين) سترفض هذا القول من حيث المبدأ، ولن تسأل عن مبرراته أو تفصيله. ولو قلت إن التعاطف والتراحم نادر أو منعدم في الغرب، فإن تلك الغالبية نفسها سوف تؤيد، دون سؤال عن التفاصيل. السر وراء هذا الموقف هو الخلط بين الذات والموضوع.
أما العامل الثاني فهو ثقافيّ. تراثنا يقول إن الحق واحد غير متعدد. وهذه، للمناسبة، استعارة من رؤية مشهورة لأرسطو فحواها أن كل سؤال له جواب واحد صحيح، ولا يمكن أن يكون للسؤال الواحد جوابان صحيحان. وهو تفريع عن مبدأ عدم التناقض الشهير في المنطق الأرسطي، وقد تبنّاه معظم علماء المسلمين القدامى، وورثناه منهم.
ويرجع العامل الثالث إلى ما سمّاه الفيلسوف المعاصر توماس كون بـ«البرادايم»؛ أي النسق الثقافي/الاجتماعي الذي يشكل طابعاً عاماً للفكر في زمن محدد أو تيار محدد. وهو وإن كان معنياً بالعلوم الطبيعية بشكل رئيس، إلا إنني وجدت في دراسة قديمة لي، أنه قابل للتطبيق في العلوم الإنسانية أيضاً.
حين تكون ضمن نسق معين، فكل شيء داخله يُعد مسلَّماً به أو شبه بديهي، وكل ما هو خارجه مثير للتساؤل. ولهذا نادراً ما يفكر الناس (نقدياً) في معتقداتهم ومنطلقاتهم وبنية تفكيرهم، التي توجه لغتهم ومواقفهم وقناعاتهم الراسخة، وتؤسس - بالتالي – منظومة المسلَّمات، التي يرجعون إليها حين يفكرون أو يقررون.
