د. عمرو الشوبكي
TT

بين المعتدلين والممانعين هناك أيضاً المشجعون

استمع إلى المقالة

تبلورت جبهة الممانعة في العالم العربي والشرق الأوسط عقب حدثين متعارضتين في عام 1979، الأول هو نجاح الثورة الإيرانية بقيادة زعيمها الراحل الخميني في الوصول إلى السلطة، والآخر توقيع الرئيس الراحل أنور السادات لاتفاقية كامب ديفيد للسلام بين مصر وإسرائيل. ومنذ ذلك التاريخ تبلور تيار الممانعة الذي أطلق على نفسه «جبهة الصمود والتصدي»، ورفض الصلح المنفرد بين مصر وإسرائيل وهاجم خطوة السادات من دون أن يواجه إسرائيل، كما تبلور تيار الاعتدال عربياً عقب خطوة الرئيس السادات الذي آمن بالحل السلمي والتفاوض حلاً للصراع مع إسرائيل. وقد انضمت منظمة التحرير الفلسطينية بقيادة الراحل ياسر عرفات إلى تيار الاعتدال عقب التوقيع في 1993 على اتفاق أوسلو الذي أجهضته إسرائيل بسياسة الاستيطان في الضفة الغربية وحصار قطاع غزة من دون إعفاء حركة «حماس» والانقسام الفلسطيني من جانب من المسؤولية.

وقد أخذ الانقسام بين المعتدلين والممانعين صورة جديدة عقب ظهور أذرع إيران في المنطقة وفي أعقاب تحرير الجنوب اللبناني من الاحتلال الإسرائيلي عام 2000، ورفعت شعارات المقاومة المسلحة ضد إسرائيل حتى وصلنا إلى معركتي «إسناد» غزة وإيران من الأراضي اللبنانية، ودخول كل من أميركا وإسرائيل في مواجهة عسكرية عنيفة مع إيران، وما زال العالم ينتظر نهاية الحرب، وتحويل المسكنات التي شهدتها المنطقة عقب وقف إطلاق النار في كل من إيران ولبنان وقبلهما غزة إلى مسارات تسوية سلمية واتفاقات لإنهاء الحروب.

والحقيقة، أن مشهد الحرب بين أميركا وإسرائيل في مواجهة إيران، أو بين تل أبيب و«حزب الله»، لم يفتح فقط خلافاً معتاداً في المنطقة بين معتدلين وممانعين، إنما أضيف إليهما «المشجعون» الذين يشجعون «اللعبة الحلوة» كما في مباريات كرة القدم، أو «الضربة الحلوة» في المواجهات القائمة.

والحقيقة، أن ضجيج هذه المجموعات التي تشكل جانباً من الرأي العام في المنطقة أعادني بالذاكرة إلى عام 1982 عام حصار بيروت وخروج ياسر عرفات وفصائل المقاومة الفلسطينية من لبنان عقب الاجتياح الإسرائيلي، وكنا وقتها طلاباً في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة وكان معنا زميل هو الأكثر «تشجيعاً» للخيار الثوري وطالب المقاومة بالقتال حتى آخر نفس والاستشهاد داخل بيروت «حتى النصر»، وحين قلنا وقتها إن ما نستطيع عمله لمساعدة الشعب اللبناني هو الذهاب لمقر القائم بالأعمال في القاهرة (أعتقد وقتها لم تكن العلاقات قد عادت بشكل كامل بسبب «كامب ديفيد») والتبرع بالدم، فوجئنا بأن زميلنا الذي طالب بالقتال حتى آخر رجل لم يذهب معنا واعتذر لحجج واهية.

والحقيقة، أن الحرب الأميركية - الإسرائيلية في مواجهة إيران فتحت الباب أمام انتشار ظاهرة «المشجعين»، فهم ليسوا على استعداد لدفع أي استحقاق أو ثمن لخيارات الممانعين أو المقاومين، فهم ليس لديهم مشروع عقائدي يجعلهم يتحملون تبعات خيار المقاومة المسلحة وثمن الحرب التي يمكن أن يدخلها أي بلد في مواجهة قوة عظمى مثل الولايات المتحدة. فالموضوع ليس مجرد شعارات «الموت لأميركا وإسرائيل» إنما تحتاج هذه المواجهة إلى بنية صناعية وعسكرية قوية وقناعة لدى جزء معتبر من الناس بمشروعية مواجهة القوى الكبرى، وليس مجرد ثرثرة على مواقع التواصل الاجتماعي وهتافات هنا وهناك كما يفعل «المشجعون» غير المستعدين لدفع استحقاقات الممانعة، وبرروا خطايا النظام الإيراني لأنه يواجه أميركا وإسرائيل، وباتت شعاراتهم في بعض الأحيان أكثر «ممانعة» من الممانعين.

وكما لخيار الممانعة استحقاقات وأثمان، فإن لخيار الاعتدال والمقاومة المدنية والضغوط السياسية أيضاً استحقاقات وأثماناً لا يدفعها أيضاً المشجعون، فمن قال إن تجارب دول «الاعتدال الفاعل» ليس لها استحقاقات، فهي تطلب أيضاً نموذجاً سياسياً لديه شرعية في الداخل وتأثير في الخارج، ونموذجاً اقتصادياً منتجاً وجاذباً ومنجزاً، يسمح لها بالحضور الدولي وخوض معارك سياسية ودبلوماسية للدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني ومواجهة سياسات الاحتلال الإسرائيلي وعدم العدالة في النظام الدولي. أما على المستوى الشعبي، فإن المقاومة المدنية والسياسية والقانونية في مختلف عواصم العالم صارت سلاحاً قوياَ في مواجهة سياسات نتنياهو والحصانة التي أعطاها النظام الدولي لإسرائيل.

خيارات الاعتدال والممانعة الحقيقية لها استحقاقات وليست مجرد شعارات ويجب ألّا يتصور أحد أنه يمكن أن يكون ممانعاً ومقاوماً وكل تكوينه وخبرته في الاعتدال، ولكنه يقول ذلك ليهرب من استحقاقات الاعتدال ويتحول مشجعاً للمانعة.