د. عبد الله الردادي
يحمل الردادي شهادة الدكتوراه في الإدارة المالية من بريطانيا، كاتب أسبوعي في الصفحة الاقتصادية في صحيفة الشرق الأوسط منذ عام ٢٠١٧، عمل في القطاعين الحكومي والخاص، وحضر ضيفا في عدد من الندوات الثقافية والمقابلات التلفزيونية
TT

حين يفقد المكتب حصانته

استمع إلى المقالة

تطور مفهوم العمل عن بُعد خلال سنوات قليلة، واكتشف الموظفون ميزات العمل عن بُعد الذي وفر حزمة من التكاليف، مثل وقت المواصلات وتكلفتها، وعناء البحث عن مواقف للسيارات، وتكلفة الوجبات خارج المنزل، والإرهاق الذهني الذي يبدأ قبل الجلوس على كرسي المكتب، هذه المرونة زادت من جودة حياة الموظفين الذين تمكنوا من الاستفادة من الوقت الذي يضيع في المواصلات في النوم والرعاية الأسرية وغيرها، وتمتد هذه الميزات إلى الجانب السلوكي فضلاً عن الجانب الاقتصادي، فالعمل عن بُعد يُمكّن الموظف من السيطرة على يومه، فهو يستطيع توقيت المهام العميقة، ويقلل المقاطعات لزيادة التركيز عليها، وقد كشفت بيانات «غالوب» عن أن ستة من كل عشرة موظفين ممن يمكن أداء وظائفهم عن بُعد يفضلون العمل الهجين، وأن الثلث يفضلون العمل عن بُعد بالكامل، بينما تقل نسبة مَن يفضلون العمل الحضوري بالكامل عن 10 في المائة، وقد أظهرت دراسة لمجلة «نيتشر» شملت أكثر من 1600 موظف أن العمل الهجين يومين من المنزل أسبوعياً لم يؤثر في الأداء، بل خفض الاستقالات بنحو الثلث، هذا الرقم مهم لأنه يثبت أن العمل الهجين ليس نزعة للراحة، بل له أثر اقتصادي مباشر على الاحتفاظ بالموظفين وخفض تكلفة دورانهم، ولكن هذا التغير لا يخلو من الآثار، فما أثر العمل عن بُعد على المدن؟ ومَن يدفع تكلفة المكاتب الفارغة؟ وكيف يؤثر في الاقتصاد بالمجمل؟

بُنيت المدن على افتراض أن الموظفين يذهبون إلى مقار الأعمال خمسة أيام في الأسبوع، ونشأت منظومة حول هذه الفرضية من الخدمات الصغيرة والكبيرة، بين تنقل، وطعام، وتنظيف، وأمن، وصيانة، وغيرها، وقد خلق ذلك حركة اقتصادية يومية، وحين انخفضت وتيرة الحضور إلى العمل، تراجع الاقتصاد المحيط بهذه المنظومة، فالعمل انتقل جزئياً من وسط المدينة إلى الأحياء والمنازل، وأعاد هذا التحول توزيع الإنفاق مكانيّاً، وعليه فإن المكاتب الفارغة غيرت القطاع العقاري، وفي نموذج المدن الذي افترض أن العمل المكتبي هو المحرك اليومي، وقد سجلت المكاتب الشاغرة مستوى قياسياً في الولايات المتحدة بلغ 21 في المائة عام 2026، وقدرت «موديز» المساحات المكتبية الشاغرة في أميركا بنحو 902 مليون قدم مربعة، وهو ما يعادل تقريباً 300 برج بحجم مركز التجارة العالمي، وفي تقرير لـ«ماكينزي» شمل مدناً عالمية، قُدر أن الطلب على المكاتب قد يكون أقل بما يصل إلى 20 في المائة في بعض المدن الكبرى في عام 2030 مقارنة بمستويات 2019.

فاتورة المكاتب الفارغة تدفع من أطراف متعددة، فملاك العقارات يخسرون الإيجار وقيمة الأصل، والممولون يتحملون جزءاً من المخاطرة، والبلديات تخسر من تراجع الضرائب العقارية والنشاط التجاري، والخدمات التجارية المحيطة بالمجمعات التجارية المكتبية تخسر زبائنها اليوميين، والخدمات المساندة مثل الصيانة والأمن والتنظيف لها نصيب من هذه الخسارة، بل وحتى شبكات النقل العام قد تتأثر عند تراجع الطلب المنتظم من موظفي المكاتب، وتتفاقم هذه المشكلة مع ارتفاع أسعار الفائدة، فكثير من هذه المباني ممول بقروض ذات نسب فائدة متغيرة، وعندما تنخفض الإيجارات وترتفع الشواغر تتراجع قيمة المبنى، ويصعب سداد الأقساط المستحقة، وقد يصبح القرض نفسه مهدداً بالتعثر، ولذلك كله تبعات على الأنشطة الاقتصادية، ومع كثرة الشواغر كثرت الخيارات لدى المستأجرين، فأصبحوا يبحثون عن الجودة في المكاتب، وبرز سؤال مفاده: ما الذي يضيفه هذا المكتب مقارنة بالعمل عن بُعد؟

وقد ازدادت ظاهرة تحويل المكاتب إلى مساكن، على غرار ما حصل في كثير من المدن الأوروبية قبل عقود في تحويل المصانع إلى مجمعات سكنية، وقد بلغت مشاريع تحويل المكاتب إلى شقق في الولايات المتحدة أكثر من 90 ألف وحدة في بداية 2026، بزيادة سنوية قدرها 28 في المائة، ومع أن الكثير من الأبراج المكتبية لا تصلح للتحويل بسهولة إلى شقق سكنية، لأسباب منها ضعف الإضاءة الطبيعية واختلاف أنظمة السلامة والمصاعد وحتى السباكة، فإن التوجهات المستقبلية تشير إلى ازدياد المكاتب الفارغة، وهو ما أدى إلى تجاوز هذه التكلفة لإيجاد مستأجرين جدد.

إن اعتماد العديد من الجهات على العمل عن بُعد قد يكون إحدى الإيجابيات القليلة للجائحة، ولكن أبعاده الاقتصادية متباينة، فقد غيَّر موازين القطاع العقاري التي امتدت لعقود، والتي اعتمد عليها الاقتصاد الحضري الذي افترض طويلاً أن العمل يحتاج إلى مكتب، وأن المكاتب ستبقى في قلب المدينة حيث تتركز القيمة العقارية، هذه القيمة توزعت اليوم على أنحاء المدن، وهو ما أدى إلى فقدان حصانة المكتب، الذي أصبح في حاجة إلى مبرر لوجوده من الناحيتين الاقتصادية والسلوكية، وأن يقدم قيمة مضافة لما يمكن أداؤه عن بُعد.