زاهي حواس
عالم آثار مصري وخبير متخصص بها، له اكتشافات أثرية كثيرة. شغل منصب وزير دولة لشؤون الآثار. متحصل على دبلوم في علم المصريات من جامعة القاهرة. نال درجة الماجستير في علم المصريات والآثار السورية الفلسطينية عام 1983، والدكتوراه في علم المصريات عام 1987. يكتب عموداً أسبوعياً في «الشرق الأوسط» حول الآثار في المنطقة.
TT

القائد العظيم وني

استمع إلى المقالة

تعد السيرة الذاتية للموظف الكبير وني كنزاً معلوماتياً لا يقدر بثمن. عاش وني في الأسرة السادسة (2181 - 2345 قبل الميلاد) من الدولة القديمة، وقد بدأ حياته المهنية كما يذكر في سيرته الذاتية التي عثر عليها داخل مقبرته، ومعروضة الآن في المتحف المصري، في عصر الملك تيتي لكنه نال المناصب العليا وأسندت إليه المهام الجسام خلال عصر الملك بيبي الأول، ومن بعده ابنه ووريثه على العرش الملك مري إن رع. لقد كلَّف وني بمهام عديدة مثل تجهيز وقيادة جيش لصد غارات القبائل البدوية القادمة من ليبيا، استطاع وني، من خلال خمس حملات عسكرية شنَّها عليهم القضاء على خطرهم وأسر منهم أعداداً كبيرة وصادر ممتلكاتهم. كما كُلِّفَ أيضاً بتولي التحقيقات القضائية في بعض القضايا الحسَّاسة مثل محاكمة الملكة زوجة الملك بيبي الأول، والتي لم يُفشِ لنا وني تفاصيل هذه القضية! وهل كانت تتعلق بخيانة أم مؤامرة يدبرها الحريم على الملك؟ كما أسند إلى وني بعض المهام الشاقة مثل توسعة مجرى نهر النيل عند الجندل الأول، الأمر الذي كان يتطلب قطع كميات هائلة من أحجار الغرانيت التي تعترض مجرى النهر وتعوق إبحار السفن والمراكب. وإلى جانب تلك المهام تم تكليف وني بإحضار حجر البنبن وهو الحجر النادر الذي سيزين قمة هرم الملك مري إن رع، وقد نجح وني في العثور على نوعية الحجر المطلوب، وتنفيذ كل أوامر الملك الذي يبدو أنه قرَّبه إليه أكثر وجعله من كبار مستشاريه وحاملي أسراره.

لقد سمحت المكانة الكبيرة لوني في القصر الملكي بأن يتقدم بطلب إلى الملك يرجوه بالسماح له بأن يحصل لنفسه على تابوت من الحجر الجيري الملكي من محاجر طرة الملكية! وبالفعل أمر الملك بأن يتم قطع وإحضار التابوت إلى وني مكافأة له على أعماله العظيمة وتفانيه في العمل لخدمة بلده مصر. يقول وني في الجزء الأخير من سيرته الذاتية: «كنت مشرفاً بالقصر الملكي وحامل النعال، وقام سيدي مري إن رع (ابن الملك بيبي الأول وخليفته على العرش) ملك الوجه القبلي والوجه البحري - ليحيا إلى الأبد - بتعييني حاكماً ومشرفاً على الوجه القبلي من جنوب الفنتين (أسوان)، وحتى شمال أطفيح. لقد أنجزت كل ما كُلفت به من مهام.

لقد قمت مرتين بجرد كامل لجميع أملاك المقر الملكي في صعيد مصر التي كانت بحاجة إلى الجرد. وقمت بحصر جميع الوظائف التابعة للمقر الملكي والتي كانت بحاجة إلى الحصر.

وشكلت لجنة إدارية لذلك، فكان نجاحاً عظيماً في الوجه القبلي. لقد أرسلني صاحب الجلالة إلى إبهيت لإحضار تابوت الأحياء مقطوعاً، ومعه غطاؤه، وكذلك الهريم النفيس المخصص للهرم «مري إن رع يشرق في كماله» كما أرسلني صاحب الجلالة إلى الفنتين لإحضار الباب الوهمي وأحجار العتب العلوية للباب الوهمي وكذلك المتاريس الخاصة بغرفة الدفن، وجميعها من الغرانيت. إلى جانب الأبواب والبلاط الغرانيتي اللازم للحجرة العلوية لهرم «مري إن رع يشرق في كماله». لقد أبحرت شمالاً قاصداً هرم «مري إن رع يشرق في كماله» على رأس أسطول من السفن يضم ستة صنادل وثلاث سفن مسطحة ذات شراع مربع، وثلاثة مراكب. وقد أرسلني صاحب الجلالة إلى حاتنوب لإحضار مائدة ضخمة من الألباستر الذي تشتهر به المنطقة. كما أرسلني صاحب الجلالة لشق خمس قنوات في صعيد مصر. كما سافرت إلى واوات (النوبة) حيث خشب السنط، لصناعة ثلاثة قوارب وأربع سفن مسطحة ذات شراع مربع. وقد قام الأمراء الأجانب في كل من إرتت وواوات وإيام ومدجا بتقديم الأخشاب اللازمة».