خالد البري
إعلامي وكاتب مصري. تخرج في كلية الطب بجامعة القاهرة، وعمل منتجاً إعلامياً ومراسلاً سياسياً وحربياً في «بي بي سي - عربي»، وغطى لحسابها «حرب تموز» في لبنان وإسرائيل، وعمل مديراً لمكتبها في العراق. وصلت روايته «رقصة شرقية» إلى القائمة النهائية لـ«بوكر العربية».
TT

راديكالية التَّنمية... المجرم الخفي

استمع إلى المقالة

من أكبرِ عيوبِ التَّنمية أن ترتبطَ في عقلِ المسؤولِ السياسي بثراءِ الدولةِ لا ثراء المجتمع. الغرضَانِ ليسَا مرتبطين عضويّاً. ثراءُ المجتمع يقودُ حتماً إلى ثراءِ الدولة؛ إذ يقلّلُ أعباءَها ويزيد عوائدها. لكن العكس ليس صحيحاً. هناك دولٌ تنفق إنفاقَ الأثرياء على مشاريع تسليح وميليشيات. ودولُ الكتلةِ الشرقية تبنَّت الخططَ الخمسيةَ الطموحة، مع صور المسؤولين في الصباح الباكر يفتتحونَ كلَّ يومٍ مصنعاً، تدعمهم آلةُ دعايةٍ تطرح بياناتٍ رقميةً تتحدَّى الزَّمنَ، وتربحُ السّباق، وتحقّقُ في سنةٍ ما يحققه الآخرون في عقد. لكنَّ الوعودَ الخمسيةَ والعشريةَ لم تتحقق قَطّ. وظلَّ المجتمعُ فقيراً.

يتداول الناسُ عادة أنَّ السببَ هو الفسادُ وخرابُ الذمم، وتلك قد تكون عرضاً لتملُّكِ الدولةِ وسائلَ الإنتاج وإدارتها من قبل أشخاص يتصرَّفون في غير مالهم الخاص. وهو ليس موضوعنا. نتحدَّث عن مسؤولينَ ذوي ضمائرَ حيةٍ، ونوايا صادقة، وعزم صميم. لكنَّهم يخربون الاقتصاد بدلاً من إصلاحه؛ إذ لا ينال المرءُ الثمار التي يتطلع إليها، بل يحصد ما يجيد زراعتَه.

يمكننا أن نسميَ هذه الطريقة «راديكالية التنمية». وهي تشبه غيرَها من جوانبِ التَّفكير التقدمي بالرغبة في القفز فوق المراحلِ والوصول إلى النتيجة على عجل. لو تملَّكتك هذه الرغبة في «الجيم»، ستهلك عضلاتِك بالإجهاد، وتعجز عن الاستمرار.

إثراءُ الدولة بإفقار المجتمع خداع. وهذا أخطر ما في راديكالية التنمية. فالمشروع العملاق مرئي، ويمكن تصويره من جميع الزوايا، وعرضه في نشرات الأخبار، ومناقشة أرقامه في معزل عن الوضع العام. لكن الصورة تخفي المشروع الذي لم يولد؛ لأنَّ رأس المال هرب من المنافسة الحكومية، أو المشروع الذي مات لأنَّ التاجر أغلق متجره، أو المستثمر الذي قرَّر ألا يأتي من الأساس... فكل هؤلاء خسائر غير مرئية. ولهذا تبدو التنمية الراديكالية ناجحة في الصور التذكارية، وفي الجدل والدعاية، قبل أن تظهرَ فاتورتها الحقيقية في الاقتصاد.

راديكالية التنمية تقود الدولة إلى منافسة مواطنيها كلما اكتشفت قطاعاً رابحاً، ظنّاً منها أنَّها «أولى بالربح»، وأن «زيتنا في دقيقنا». والنتيجة أن يفقدَ مزيدٌ من المواطنين مشاريعهم، وتنهار القدرة الشرائية؛ لأنَّ الدولة «شفطت ثرواتِهم» لصالحها، وغزلت مشاريعَها من لحاهم، وحولتها أرقاماً في ميزانيتها، وإنجازات في سجلاتها؛ فصارت «دولة نيش»؛ فيه أطقم صينية رائعة، لكن أهل البيت لا يجدون ما يأكلونه فيه.

الاقتصاد الحديث نما من القاعدة بتعدد النشاطات الاقتصادية في المجتمع، وبروز مهنٍ جديدة، وتوسع التجارة مع تطور النقل البحري، ممَّا سمح للأفراد بالخروج من قفص وراثة المهن التقليدية، وسمح لهم بجمع ثرواتهم الصغيرة، ثم الالتئام في شكل تعاوني جديد اسمُه الشركة، وابتكار نظام الأسهم. هذه التنمية المجتمعية ولّدت حاجات إضافية، اخترع لها المجتمع حلولاً بمجهودات أفراده، من محرك البخار إلى الكهرباء وصولاً إلى الذكاء الاصطناعي. المجتمع الحي هو أساس التنمية الحقيقية المستدامة.

وظيفة الدولة - إذن - ليست أن تحل محلَّ المجتمع، بل أن تطلق طاقته. عليها أن تهيئ الأجواء لكي يؤدي المجتمع هذه الأدوار بنفسه. فالتنمية الحقيقية تشبه النمو الطبيعي؛ كل عضلة في المجتمع تحمل أثقالها، وتحقق مداها، وتنمو تدريجياً.