عادل درويش
صحافي معتمد في مجلس العموم البريطاني، وخبرة 55 عاماً في صحف «فليت ستريت». وكمراسل غطى أزمات وحروب الشرق الأوسط وأفريقيا. مؤرخ نشرت له ستة كتب بالإنجليزية، وترجمت للغات أخرى، عن حربي الخليج، و«حروب المياه»؛ أحدثها «الإسكندرية ، وداعاً: 1939-1960».
TT

بريطانيا تبحث عن مشروعها السياسي التالي

استمع إلى المقالة

في السياسةِ البريطانية عادة غير مكتوبة تقول إنَّ الحديثّ الجديَّ عن خليفة رئيس الوزراء لا يبدأ إلا عندما يضعف موقعه أو يقترب من الرحيل. لكن اللافت في الأسابيع الأخيرة أنَّ النقاشَ داخل الأوساط السياسية والإعلامية البريطانية لم يعد يقتصر على أداء حكومة كير ستارمر؛ بل امتد إلى التساؤل: من قد يقود حزب «العمال» بعده؟

فعمدة مانشستر آندي برنهام عادَ إلى واجهة النقاش السياسي. وأسماء أخرى بدأت تتردَّد في التحليلات والتكهنات، كأنَّ هناك مقعداً شاغراً في المخيلة السياسية البريطانية ينتظر من يشغله، رغم أنَّ صاحبَه ما زال جالساً فيه.

لكن هذه الظاهرة لا تتعلق بشخص ستارمر وحده، ولا حتى بمستقبله السياسي؛ فهي تكشف عن مشكلة أعمق تواجه السياسة البريطانية بعد نحو عامين من وصول حزب «العمال» إلى السلطة.

فالنقاش السياسي أصبح يدور بصورة متزايدة حول الأشخاص أكثر مما يدور حول المشاريع.

من سيخلف ستارمر؟ وهل يعود برنهام إلى البرلمان؟ وهل يبرز منافس جديد؟ أسئلة تتكرر يومياً في الصحافة والبرامج السياسية. أما السؤال الأكثر أهمية، وهو: ما المشروع السياسي الذي يفترض أن يقوده أي زعيم مقبل؟ فيحظى باهتمام أقل. هنا تبرز أهمية تدخل رئيس الوزراء الأسبق توني بلير في النقاش الدائر داخل حزب «العمال».

الجانب الأهم في ملاحظات بلير لم يكن انتقاد سياسة بعينها أو الدفاع عن أخرى؛ بل تذكير الحزب بأن الزعامة وحدها لا تكفي. فالأحزاب الناجحة لا تنتصر بسبب شخصيات قادتها فقط؛ بل بسبب امتلاكها مشروعاً سياسياً واضحاً يفهمه الناخبون.

عندما وصلت مارغريت ثاتشر إلى الحكم، كان الجميع يعرف تقريباً ما المقصود بـ«الثاتشرية». وعندما قاد بلير حزب «العمال» إلى السلطة عام 1997، كان البريطانيون يعرفون أيضاً خطوط مشروع «العمال الجديد»، وظهرت «البليرية» بمؤيديها ومعارضيها.

أما اليوم فمن الصعب العثور على تعريف واضح لما يمكن تسميته «الستارمرية». وربما لهذا السبب بدأت أسئلة القيادة تتقدم على أسئلة المشروع. وإذا كان «بريكست» قد هيمن على السياسة البريطانية طوال عقد تقريباً، فإن المفارقة أن البلاد بعد خروجها من الاتحاد الأوروبي، ما زالت تبحث عن تعريف واضح للمرحلة التالية.

فالخروجيون (البريكستيون) حققوا هدفهم التاريخي، أما البقائيون فمعظمهم يخوض معاركَ الماضي. وبين الطرفين لم يحسم الجدل حول شكل بريطانيا الاقتصادي والسياسي في العقود المقبلة.

المحافظون يبحثون عن هوية جديدة بعد سنوات الحكم الطويلة. وحزب «العمال» يحاول الانتقال من موقع المعارضة إلى موقع بناء مشروع حكم طويل الأمد. أما حزب «الإصلاح» (ريفورم) بزعامة نايجل فاراج فقد نجح في استثمار استياء قطاعات واسعة من الناخبين، لكنه بدوره ما زال في طور بناء فلسفة سياسية متكاملة تتجاوز الاحتجاج على الوضع القائم.

وهكذا تجد الأحزاب البريطانية الكبرى نفسها في وضع غير مألوف: تعرف ما تعارضه أكثر مما تعرف ما تريد بناءه.

ولعل هذا ما يفسر جانباً من التوتر الذي يسود الحياة السياسية البريطانية حالياً؛ فالجدل لا يدور فقط حول الضرائب أو الهجرة أو الطاقة أو الخدمات العامة، بل حول سؤال أكبر: ما الاتجاه الذي يفترض أن تسير فيه البلاد؟

ولا تقتصر هذه الظاهرة على بريطانيا وحدها؛ ففي كثير من الديمقراطيات الغربية أصبحت السياسة تدور حول شخصيات مثل دونالد ترمب في أميركا، أو مارين لوبان في فرنسا، أو نايجل فاراج، أكثر مما تدور حول مدارس سياسية متكاملة كما كانت الحال في العقود السابقة.

ويبدو أن عصر المشاريع الكبرى التي قدمت رؤى اقتصادية واجتماعية واضحة، قد أفسح المجال تدريجياً لعصر إدارة الأزمات المتلاحقة؛ من الهجرة والطاقة إلى التضخم والحروب والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي. لكن إدارة الأزمات، مهما كانت ضرورية، لا تكفي وحدها لصناعة إجماع سياسي طويل الأمد أو لإلهام الناخبين. ولهذا، فإن أهمية الجدل الدائر اليوم في بريطانيا لا تكمن في معرفة من قد يخلف ستارمر إذا واجه صعوبات سياسية مستقبلاً. فمثل هذه الأسئلة ستظل جزءاً طبيعياً من الحياة الحزبية.

الأهم من ذلك هو السؤال الذي أعاد بلير طرحه بصورة غير مباشرة: ما المشروع السياسي القادر على إقناع الناخبين خلال العقد المقبل؟

فالأزمة التي تواجه بريطانيا اليوم قد لا تكون أزمة زعامة بقدر ما هي أزمة فكرة. وعندما تعجز الأحزاب عن الاتفاق على المشروع، يصبح الجدل حول الأشخاص أمراً لا مفر منه. ولهذا ربما لا يكون السؤال الأهم في السياسة البريطانية اليوم هو من سيقود البلاد بعد كير ستارمر؛ بل: ما المشروع الذي سيقوده ذلك الزعيم أياً كان اسمه؟