علي العميم
صحافي ومثقف سعودي بدأ عمله الصحافي في مجلة «اليمامة» السعودية، كتب في جريدة «الرياض» وكتب في جريدة «عكاظ» السعوديتين، ثم عمل محرراً ثقافياً في جريدة «الشرق الأوسط»، ومحرراً صحافياً في مجلة «المجلة» وكتب زاوية أسبوعية فيها. له عدة مؤلفات منها «العلمانية والممانعة الاسلامية: محاورات في النهضة والحداثة»، و«شيء من النقد، شيء من التاريخ: آراء في الحداثة والصحوة في الليبرالية واليسار»، و«عبد الله النفيسي: الرجل، الفكرة التقلبات: سيرة غير تبجيلية». له دراسة عنوانها «المستشرق ورجل المخابرات البريطاني ج. هيوارث – دن: صلة مريبة بالإخوان المسلمين وحسن البنا وسيد قطب»، نشرها مقدمة لترجمة كتاب «الاتجاهات الدينية والسياسية في مصر الحديثة» لجيميس هيوارث – دن مع التعليق عليه.
TT

«الفضائل اللبنانية» ليست من الأثنوغرافيا في شيء

استمع إلى المقالة

أفردَ أنيس فريحة الفصلَ الثانيَ من كتابه «حضارة في طريق الزوال: القرية اللبنانية» للحديث عن «الفضائل اللبنانية».

ذكر من هذه الفضائل: «كرم الضيافة، النجدة (ويسمونها العونة)، القناعة، التقشف والصبر على المكاره، حسن الثقة والأمانة، الصدقات السرية، المصالحة وحسم المنازعات، احترام كبير السن، الآداب العامة»، ثم فصَّل الحديث في هذه الفضائل واحدة تلو الأخرى.

وكان قبل ذلك نبّه إلى أنه لا يدّعي «أنها فضائل يتصف بها كل قروي لبناني. اللبنانيون بشر فيهم الخير وفيهم الشر، وفيهم الكرم وفيهم الحرص، وفيهم النبل وفيهم الحطّة، فيهم التقوى وفيهم الكفر».

ما قفز أنيس فريحة عليه، أو ما أراد أن يغيّبه هو أن هذه الفضائل ليس فيها «خصوصية» قروية لبنانية، فهي شائعة في لبنان – المدينة. وشائعة في العالم العربي وفي بقية أقاليم الشرق الأدنى.

ثم أن تلك الفضائل أو تلك التقاليد لا يخشى عليها من الضياع، كما أوحت بذلك عبارته: أنها حريّة بالتدوين، ولا هي في طريقها إلى الزوال، كما صدع بذلك عنوان كتابه. فهي قائمة وممارسة قبل صدور كتابه عام 1957، وبعد صدوره وإلى يومنا هذا في لبنان.

القيم والعادات والتقاليد مع أن سبب نشأتها سبب مادي مباشر، إلا أنَّها تظل حيّة ومستمرة حتى مع زوال أسبابها المادية المباشرة من قرون سحيقة.

في مقدمة الكتاب وفي فصله الثاني قدّم أنيس فريحة نفسه «صوتاً صارخاً في البرّية» في لبنان، وهذا التقديم ليس صحيحاً، ليس لأنَّ لبنان ليس فيه صحراء، وإنَّما لأنَّ تمجيد القرية في لبنان والتغني بريفه سمة بارزة في الأدب اللبناني من نشأته الحديثة.

وكان حريّاً به في مقدمة الكتاب أن يقدّم إلماحةً عن هذه السمة البارزة في الأدب اللبناني، ويذكر أسماء روادها.

إذا نظرنا إلى كتابه من ناحية موضوعه ومن ناحية المنهج المتبع فيه، وهو تطبيق علم الأثنوغرافيا على القرية اللبنانية، أن الكتاب هو أول كتاب باللغة العربية يطبّق هذا العلم، كان يجب آن تدور مقدمته، أولاً، يُعلم القاري بالهوية العلمية الدقيقة لدراسته. ثانياً، يُعرّف بعلم الأثنوغرافيا. ثالثاً، يحيط القارئ علماً بدراسات المستشرقين في هذا المجال، التي كان ميدانها بلدان الشام.

أما «الفضائل اللبنانية» وهي موضوع الفصل الثاني من كتابه، فكان يجب عليه ألّا يكتب عنها شيئاً في هذا الكتاب. لأن «الفضائل اللبنانية»، وفضائل أي شعب على هذه الأرض، هي خارج نطاق علم الأثنوغرافيا، ولا تمت له بأي صلة أو نسب.

استوقفني في مقدمته قولان له، هما:

قوله: «ولكن حضارة القرية اللبنانية، قرية طفولتنا، في طريق الزوال. فقد غزت الحضارة الغربية أكثر القرى اللبنانية حتى النائية منها. وقد غزتها بعنف وقوة».

وقوله وهو يذكر فضائل قريته قرية رأس المتن: «فضلاً عن كونها قرية طفولتنا، فإنها قرية لم تتأثر بعد بوقع الحضارة الغربية المجتاحة، بل تعيش، إلى حد كبير، في لبنان القديم: لبنان الآباء والأجداد».

إنَّ وصول الحضارة الغربية في بعض جوانبها إلى لبنان سمّاه في القول الأول «غزواً»، وسمّاه في القول الثاني «اجتياحاً». وفي القول الثاني تفاخر بأن قريته رأس المتن إلى عام 1957، ظلّت بمنأى عن أي تأثر بالحضارة الغربية، مع أن الانعزال عن التأثر بحضارة العصر والجهل بها، مسألة لا تدعو إلى الفخر والتفاخر، بل هي تدعو إلى الرثاء والشفقة.

هذان القولان ضربا بمعظم ما قاله في بحثه «الفكر العربي: مشكلته» عُرْضَ الحائط، ويتضاربان مع الروح المتحرّرة التي كتبه بها.

ومع أن هذا البحث كتبه بروح متحررة إلّا أن هذه الروح المتحررة لم تتحرر من العاطفة الدينية المسيحية!

ففي دعوته العرب إلى «تفهم روح الحضارة الغربية» أكد أن لحضارة الغرب روحاً تقوم على ثلاثة أركان.

هذه الأركان الثلاثة – كما عدّدها – هي:

التقليد الكلاسيكي أو الحياة الإغريقية القديمة. المسيحية. الإيمان بالإنسان وبمقدراته أو الإيمان بالعقل أو العلم.

هو هنا أقحم الديانة المسيحية من دون تحديد طائفة بعينها من طوائف المسيحية.

وحين جاء دور هذا الركن للحديث عنه، قال: «تقوم الحضارة الغربية على ركن آخر هو روح المسيحية الإنجيلية، وقد قلنا (روح) المسيحية الإنجيلية لئلا نُتهم بأننا لا نعرف شيئاً عن تاريخ أوروبا الذي تلعب فيه الثورة على الكنيسة البابوية دوراً مهماً، وأخبارها تملأ صفحات عديد من تاريخ أوروبا المتوسط. نعم، ثار الفكر الأوروبي على الكنيسة وسيطرتها وتعسف كهنتها، ولكن الروح المسيحية ظلت تشيع في الحياة الأوروبية رغم هذه الثورات العنيفة».

وهو هنا حدد المسيحية بالمسيحية المعززة بالروح البروتستانتية – الإنجيلية.

حضارة الغرب، قامت على عصر الإحياء أو النهضة مستلهمة التراث اليوناني – الروماني، وقامت على عصر التنوير العلماني. وقد أفضت ثورات الغرب الكبرى ذات الطابع العلماني، كالثورة السياسية والثورة العلمية والثورة الثقافية إلى التمرد على المعتقد الديني المسيحي وتقويض السلطة المؤسسية المسيحية الشاملة والشمولية، فحصرت دور الدين والتدين في نطاق محدّد ومحدود في المجتمعات الغربية. وللحديث بقية.