طبيعة الأشياء تبدأ صغيرة ثم تكبر، وكذلك المؤسسات التجارية التي ينشئها العصاميون تبدأ صغيرة ثم تتطور لتصبح متوسطة ثم كبيرة، ولكنها أحياناً تواجه بعض التحديات، مثل شراسة المنافسة، ما يؤدي إلى موتها أو تقلص دورها. وفي عالمنا العربي كانت هناك مؤسسات تجارية أو شركات ملء السمع والبصر، مثل «المقاولون العرب - عثمان أحمد عثمان» المصرية، التي كانت أهم مقاول في العالم العربي آنذاك، وكانت مشروعاتها في جميع الأقطار العربية، فقد بنت إسكان الملز الحكومي في الرياض، وكان يباع بالتقسيط على موظفي الحكومة إبان عهد الملك سعود، رحمه الله، وغيره من المشروعات، ولكن الآن خبا ذكرها. وفي السعودية كانت هناك شركة تُسمى «رجب وسلسلة»، وهي مسماة بأسماء عوائل مالكيها، وقد توفيت الشركة ولم يعد لها وجود، رغم أنها كانت تُسيطر على السوق في نشاطها، وكانت تحظى بسمعة طيبة لدى المستهلكين.
إذن، هناك تحديات تواجه الشركات الكبرى، وبعض هذه الشركات في عالمنا العربي لم يستطع تجاوز هذه التحديات؛ لذلك اختفت، فما بالك بالشركات الصغرى التي تواجه تحديات أصعب بكثير من الشركات الكبرى، وأول هذه التحديات التعرف على السوق بحكم الحداثة، وثانيها، شح التمويل، وهو ما تعانيه في الغالب الشركات الناشئة، وثالثها، شراسة المنافسة، ما يقلل حصة الشركة في السوق، إضافة إلى عوائق أخرى تختلف من قُطر عربي إلى آخر. ففي قُطر نجد البيروقراطية سائدة، وفي قطر آخر نجد الضريبة ترهق الشركات الناشئة، وطبعاً هناك أقطار عربية تعفي الشركات الناشئة من الضريبة، بل تقدم لها الدعم، وفي قطر عربي آخر تعاني الشركات ارتفاع نسبة الجمارك على المواد المستوردة، خصوصاً التي تقوم بالتصنيع وتحتاج إلى مواد مستوردة، ما يُشكل تحدياً حقيقياً أمامها، ويجب أن تراجعه الحكومات لتقدم دعماً لهذه الشركات التي تُعدّ ركيزة رئيسية لاقتصاد أي قطر.
ولتجاوز هذه التحديات يمكن اللجوء إلى عدة حلول، أولها الاندماج بين الشركات متماثلة النشاط، أو الشركات التي يكمل نشاطها الشركة الأخرى، وهنا يبرز التحدي الأهم وهو الأنا أو الأنانية، مثل أنا أتحكم بالشركة وحدي فلماذا أدخل مع شريك يُسبب لي الصداع؟!
وهذا تساؤل مشروع، ولكنه يغفل مكسباً مهماً، وهو بدلاً من التنافس مع شركة أخرى تنقلب الحالة بعد الدمج إلى التكامل، ما يضع الشركة الجديدة والمتكونة بعد الدمج على الطريق الصحيح؛ لذلك على مُلّاك الشركات الناشئة أو الصغيرة التنازل عن بعض الشروط لخلق كيان جديد وقوي. قد ينفرط عقد الاندماج أحياناً لأسباب غير اقتصادية، مثل الخلاف على اسم الكيان الجديد؛ هل يكون اسم شركتي أم اسم الشركة الأخرى؟ وفي حالة الدمج بين الاسمين مَن يكون اسمه أولاً؟ القصد أن هناك أسباباً تافهة يجب تجاوزها، ولكن هناك أسباباً جوهرية يجب حلها بالعقل والنظر للمستقبل بدلاً من النظر للمكسب الآني؛ ومن ذلك مبالغة أحد الشريكين في تقييم شركته.
ثم نأتي إلى الحل الآخر وهو الاستحواذ الذي يخلق كياناً جديداً قادراً على مقاومة التحديات. فالاندماج أو الاستحواذ يخلق كياناً قوياً قادراً على المنافسة، وبرأسمال أكبر قادر على امتصاص الصدمات، وأيضاً بإمكانه أن يعيش طويلاً؛ نظراً لتحسن وضعه بعد الدمج لقوة ملاءته المالية، ليصبح أكثر قدرة على تحمل المخاطر. ودمتم.
