ثيو بيكر
خدمة «نيويورك تايمز»
TT

الذكاء الاصطناعي... صراع مع الأكاديميا

استمع إلى المقالة

في جامعة ستانفورد، حيث أدرس في سنتي الأخيرة، يجري التعامل مع الرؤساء التنفيذيين للشركات التكنولوجية كما لو كانوا نجوماً من عالم موسيقى «الروك». فمثلاً، عندما حضر مؤسس شركة «إنفيديا»، جينسن هوانغ، لإلقاء محاضرة باعتباره ضيفاً، أواخر الشهر الماضي، احتشد حوله الطلاب، وعرضوا عليه حواسيبهم المحمولة، ومحطات العمل الشخصية الخاصة بهم، وبدوا متلهفين للحصول على توقيعه، باعتباره أحد عمالقة عصر الذكاء الاصطناعي.

العام الماضي، وخلال حديثه إلى الصف نفسه، وزّع هوانغ بطاقات لامعة بقيمة 4 آلاف دولار، تحمل توقيعه بالحبر الذهبي ـ رمز المكانة الاجتماعية الأقصى داخل غرف السكن الجامعي. الحقيقة أنه لطالما كانت ستانفورد ملاذاً للطامحين في مجال التكنولوجيا، لكن الأحداث الأخيرة دفعت الجامعة نحو آفاق غير مسبوقة؛ فقد أصبح الذكاء الاصطناعي كل شيء.

اليوم، نتحدث عنه داخل قاعات الطعام وفي دروس التاريخ، وفي أثناء المواعيد العاطفية، والتدخين مع الأصدقاء، وداخل صالة الرياضة، وحتى في حمّامات السكن المشتركة. لقد اجتاحت هذه التكنولوجيا تقريباً كل جنبات التعليم العالي. وتُعد ستانفورد نموذجاً حيّاً يوضح إلى أي مدى يمكن أن يصل تأثير الذكاء الاصطناعي.

وعلى مدار السنوات الأربع الماضية، كنت أنا وزملائي موضوع تجربة عالية المخاطر.

نحن أول دفعة جامعية في عصر الذكاء الاصطناعي ـ وصل تطبيق «تشات جي بي تي» إلى الحرم الجامعي بعد نحو شهرين فقط من التحاقنا بالجامعة. وعندما نتخرج الشهر المقبل، ستكون هذه التكنولوجيا قد قلبت حياتنا رأساً على عقب. للبعض، فتح الذكاء الاصطناعي الباب أمام ثروات هائلة، لكن لكثيرين ممن جاءوا إلى ستانفورد - قبل أربع سنوات فقط - حين كانت الشهادة تبدو تذكرة مضمونة إلى وظيفة ذات راتب مرتفع، فوجئوا بأن الباب أُغلق في وجوههم. أمَّا لنا جميعاً، فقد غيّر الذكاء الاصطناعي طريقة تفكيرنا وتصرفاتنا، على نحو جذري.

كانت الشكوك تحوم بالفعل حول سمعة ستانفورد فيما يتعلق بالنزاهة، عندما التحقت بها عام 2022، خاصة وأنها الجامعة التي تخرجت فيها إليزابيث هولمز، التي تقضي الآن حكماً بالسجن لمدة 10 سنوات، وصاحب العملات المشفرة دو كوون، الذي يقضي الآن حكماً بالسجن لمدة 15 سنةً، وكل هذا نتيجة الاحتيال، وكذلك مؤسسو «غيول»، الشركة التي أُجبرت على دفع مليارات الدولارات بسبب إدمان الأطفال على السجائر الإلكترونية.

وتصدرت كل هذه الفضائح عناوين الأخبار، عندما بدأ عامنا الدراسي الأول. جاء كثير من زملائي إلى عالم الجامعة، حاملين المثالية والأمل. إلا أنه بين الطامحين الباحثين عن طريق نحو الثراء، سادت ثقافة الاحتيال. والآن، جعلَ الذكاءُ الاصطناعيُّ الخداعَ أسهلَ وأكثرَ ربحاً من أي وقت مضى.

اليوم، تفشى الغش في كل مكان. من جهتي، لا أعرف شخصاً واحداً لم يستخدم الذكاء الاصطناعي لتجاوز بعض الواجبات الجامعية. ومع ذلك، كانت الجامعة بطيئة، في البداية، في إدراك مدى تفشي هذه الظاهرة. ومع استمرار السنة الدراسية الأولى، اقترح بعض الأساتذة اللجوء إلى ما يمكن وصفه بـ«الخيار النووي»: السماح لأعضاء هيئة التدريس بمراقبة الامتحانات حضورياً ـ ممارسة كانت الجامعة قد حظرتها لأكثر من قرن، لإظهار «الثقة في نزاهة» الطلاب.

اليوم، في عالمنا المدعوم بالتكنولوجيا، والمشحون حديثاً بالذكاء الاصطناعي، شرع الطلاب في تزوير كل شيء تقريباً. كانوا يختلسون أموال السكن الجامعي لينفقوها على أصدقائهم، ويكذبون بشأن إصابتهم بـ«كوفيد» للحصول على أموال كانت الجامعة تقدمها للموجودين داخل الحجر الصحي. ونشر بعض الطلاب ممن أعرفهم ورقة بحثية ادعت تحقيق تقدم ثوري جديد بمجال الذكاء الاصطناعي. إلا أن بعض من تقصوا الأمر عبر الإنترنت، سرعان ما أشاروا إلى أنها تبدو مجرد نموذج صيني مسروق، ليردّ المؤلفان المشاركان من ستانفورد بإلقاء اللوم في الانتحال على المؤلف الثالث.

في منتصف السنة الدراسية الأولى تقريباً، بدأت بعض فصول البرمجة تُلزم الطلاب بتوقيع إقرار ينص على: «لم أستخدم تشات جي بي تي»، عند تسليم كل واجب. وخلال الفصل الدراسي الأول، الذي بدأت فيه هذه الإقرارات بالظهور، شاهدت طالباً مستجداً أعرفه يوقّع الإقرار، بأنه أنجز واجبه من دون استخدام الذكاء الاصطناعي، بينما كان «تشات جي بي تي» لا يزال مفتوحاً في النافذة المجاورة في المجمل، لم تكن الحوافز تدفع نحو الصدق؛ فقد كان بإمكان أي شخص أن يتقدم بسرعة عبر اختصار الطريق، والتركيز على تسويق صورته الشخصية.

ولعب المال دوراً كبيراً في الأمر، بينما اقتصر دور الذكاء الاصطناعي على تسريع اتجاه كان قائماً بالفعل في ستانفورد، وانعكس كذلك في كثير من الجامعات الأميركية، التي أصبحت شديدة الارتباط بعالم الشركات: إذ بات يجري النظر إلى التعليم نفسه باعتباره هدفاً ثانوياً مقارنة بجهود تمكين النجاح المستقبلي، الذي غالباً ما يجري تعريفه باعتباره بناء ثروة مفاجئة في المستقبل.

وجاءت المرة الأولى لاجتماع دفعتنا الجامعية، خلال حفل استقبال في أواخر سبتمبر (أيلول) 2022. وفي الوقت الذي انخرط أحد المتحدثين في حديثه الرتيب، أتذكر أنني نظرت حولي ورأيت عدداً من زملائي منزوين في الظل وقد غلبهم النعاس. وخطرت ببالي حينها فكرة أن أحد هؤلاء الأطفال سيصبح مليارديراً قريباً. وتساءلت في نفسي من سيكون، وكيف سيحدث ذلك.

في البداية بدا أن الطريق نحو النجاح يكمن في العملات المشفرة، ثم أصبح الذكاء الاصطناعي.

اليوم، لا يزال معظم أصدقائي يتذكرون أين كانوا، وماذا كانوا يفعلون، عندما صدر «تشات جي بي تي» في 30 نوفمبر (تشرين الثاني) 2022. كنت حينها أقترب من نهاية دراستي في ستانفورد في علوم الحاسوب المعروف باسم «CS107» ـ المساق الذي كان يُعرف بأنه يفرز الطلاب الحقيقيين القادرين على البرمجة، من أولئك الذين يفتقرون إلى روح الكفاح المطلوبة ـ تماماً كما تفعل الكيمياء العضوية مع طلاب الطب.ٍ الحقيقة أن سرعة التغيير الذي انطلق يوم دخول «تشات جي بي تي» حياتنا، كانت مذهلة. وقد أرسل لي أحد الأصدقاء رابطاً للنسخة التجريبية البحثية من أحدث عرض توضيحي لشركة «أوبن إيه آي»، وكتب: «هل رأيت هذا؟ إنه جنوني!». وبدأنا نجرّب أوامر طريفة، مستمتعين بينما كان «تشات جي بي تي» يشرح خوارزمية ترتيب الفقاعات «بأسلوب رجل عصابات ثرثار من أفلام الأربعينات». وكتبت لصديقي: «إنه جيد جداً. جيد جداً جداً». ومع ذلك، لم يفهم أيٌّ منا أن هذه اللحظة تمثل تحوّل الذكاء الاصطناعي من مجرد تكنولوجيا إلى منتج فعلي.

كان الطلاب، على الأرجح، أول من تبنّى هذه التكنولوجيا على نطاق واسع. في النهاية، كانت الطريق الممكن الأسرع للحصول على درجة ممتازة. وعندما درست في الجامعة، كانت الطريقة الوحيدة تقريباً للغش البحث عن طالب سبق له اجتياز المساق، والتوسل إليه للحصول على حلول مجموعات المسائل المعروفة بصعوبتها الشديدة. لم يكن هناك بديل عن بذل قدر كبير من الجهد. وحتى لو حصل أحدهم على الإجابات من طالب آخر، فإن الطلاب الذين عرفتهم وفعلوا ذلك، كانوا لا يزالون يقضون ساعات في تعديل الشيفرة المسروقة حتى لا يُكشف أمرهم.

في ذلك الوقت، لم يكن كثيرون يغشون بهذه الطريقة الفاضحة. إلا أنه في غضون شهر واحد فقط، أصبح بإمكان أي طالب، بدلاً من ذلك، اللجوء إلى روبوت محادثة، فيكتب أمراً بسيطاً وهو جالس وحده في غرفته بالسكن الجامعي، ثم يعيد ترديد النتيجة بلا تفكير. وقال لي أحد أصدقائي حديثاً: «أتذكر أول مرة استخدمته فيها، وانتابني على الفور شعورٌ بالذنب. أما الآن، فقد أصبح الأمر طبيعياً».

في الواقع، كانت تجربة العيش داخل الحرم الجامعي خلال السنوات الأربع الماضية رحلةً كاشفة للحقيقة. لم يكن التعليم العالي مُهيأً لثورة الذكاء الاصطناعي. في يومٍ ما في المستقبل، ستضحك الروبوتات المُستقلة بشدة (أو أياً كان اسمها) على هذه الفترة الانتقالية السخيفة، التي بدت فيها الجامعات وكأن الشلل قد أصابها، بينما تُحاول سد الفجوة بين التعليم الليبرالي القديم، والمستقبل الذي لن يكون فيه الذكاء حكراً على البشر.

* خدمة «نيويورك تايمز»