هل نحن أمام طوفان نوح جديد يسمى الذكاء الاصطناعي؟ وهل سنغرق في التزييف، إذا تبنى الذكاء الاصطناعي ما يكتب في ويكيبديا مثلاً؟ وماذا ستفعل الأجيال الحالية والمقبلة إزاء ما بين أيديها، وقد لا تستطيع التفريق بين ما هو واقعي أو خيالي، وما هو حقيقي أو مزيف؟ ومَن الذي يمكن أن يبني سفينةً عاصمةً من هذا الطوفان الخطير؟
من أين جاء هذا الطوفان الخيالي، وإلى أين سيذهب بنا، وهل نحن قادرون على استيعاب أمواجه من دون أن نسقط في قاعه العميق؟
في البدء كان الخيال يرفرف فوق العقول، وكانت الخطوط طلاسم، والحروف مجرد رسوم هلامية على جدران الكهوف. شاء حظ العقل البشري أن يعبِّر عن نفسه بهذه الطلاسم وتلك الحروف، فعدّها رموزه الخالدة، ونقوشه الأبدية، وميراثه المتروك لأحفاده المقبلين. الجدران والأحجار كانت صفحته البيضاء، وأوراقه الصلدة، ثم اكتشف شيئاً آخر: جذوع الأشجار، وأخيراً الورق.
قد تكون الصين القديمة صاحبة السبق، وقد تكون مصر القديمة وأوراق البردي نشيد الكتابة الأول، ثم جاءت الجلود التي حوت لنا كنوزاً عظمى، وصولاً إلى الأوراق والأقلام والرصاص والحبر، ثم السيد الألماني يوهان غوتنبرغ ومطبعته التي شكَّلت الذكاء الاصطناعي الأول.
صحيح أن محاولة استنطاق الآلة قديمة قِدَمَ الفلاسفة والحكماء الأوائل، وقد نجحت في أن تصبح منتجة لسلع متعددة بدلاً من اليد الحرفية التي كانت تصنع سلعة واحدة. تدفق العالم نحو بحر الآلات الصناعية، وثمة فلاسفة وكتاب تنبأوا بإمكانية أن تصبح الآلة مفكرة، وقادرة على الإنتاج الغزير بدلاً من الإنسان ذي القدرة المحدودة، وقد حدث هذا في الواقع.
في منتصف الخمسينات من القرن الماضي، كان جون مكارثي، عالم الكمبيوتر الأميركي، هو الأب الروحي لمصطلح الذكاء الاصطناعي، لكن المشروع تعثر في الستينات والسبعينات، ثم عاد بقوة مع اكتشاف الإنترنت والشبكات والحواسيب العملاقة، وثورة الاتصالات الرهيبة.
وأخيراً، في بداية العقد الثاني من القرن الجاري، انفجر الخيال مرة واحدة، وصارت لدينا إمكانية أن نتلمس الطريق إلى الذكاء الاصطناعي، ليصبح علمياً، وطبياً، وصناعياً، وإعلامياً، لكنه في الوقت نفسه سيصبح الطوفان الذي قد يغرق الجميع في أعماقه البعيدة إذا لم يضبط.
رأيناه رساماً، وموسيقياً، وأديباً، وشاعراً، وصحافياً، ورأيناه قادراً على التزييف، حتى إن المرء لم يعد يتعرف إلى الوثيقة الحقيقية من المزيفة. فثمة خيط رفيع بين التزييف والحقائق، والأخطر أنه اكتشاف يقطع روح التعليم والإدراك والفهم والاستيعاب، حتى إن كثيراً مما يُكتب حول العالم لم يعد معروفاً: أهو من صنع الذكاء الاصطناعي أم بقلم كاتب حقيقي؟
الظاهرة خطيرة في الجانب الحرفي الإنساني: الصحافة، والشعر، والموسيقى، والرسم، والسينما، والرواية، إلا إذا عددناه مجرد أداة بحث وترجمة علمية في عصر السرعة الراهن.
في الجانب العلمي والتقني والطبي قد يكون خطوة إلى التطور العظيم فكرياً، غير أن دوره الأخطر يكمن في تطوير الحروب، وقد شاهدنا استعماله الكبير في الحروب الهجينة الحالية، وهذا خطر آخر يتجلى أمامنا، إذا ما تم استخدامه في الصراعات والحروب.
السينما العالمية منذ سنوات عالجت هذا الخطر في فيلم «أنا... روبوت»، وكيف يمكن لهذا الذكاء الاصطناعي أن يغدر بصانعيه من البشر، وهناك أيضاً قصص الأطباق الطائرة وكائنات الفضاء، فثمة من يقول إنها مجرد ذكاء اصطناعي، رغم وجود الوثائق الأميركية، والمنطقة 51 السرية في الولايات المتحدة، وقد تحدَّث عنها الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما في حوار تلفزيوني، ثم جاء الرئيس ترمب وأفرج عن الوثائق السرية عن الكائنات الفضائية المجهولة.
في أي ثورة صناعية تنتصر الآلة مؤقتاً، حتى يخترع الإنسان آلة أخرى طاغية، مثل الأدوية؛ فالكاميرا كانت مدهشة في البداية، لكنها لم تمنع الرسامين من الإبداع، ولم تقتل السينما -أو «الخيالة» بالاسم القديم- الواقع بالخيال، لكنها عبرت عنه وانغرست فيه، وكذلك الراديو، والتلفزيون، والصحافة المكتوبة والإلكترونية، فثمة خيال يدحض خيالاً، وإلى هذه اللحظة لا بد أن يبقى هناك خيط رفيع بين الذكاء الاصطناعي الآلي والإبداع الإنساني الحر.
فستظل الآلة عمياء صماء، فالعقل البشري أعقد من هذا بكثير، لكن هل يمكن مسح العقل البشري بشيفرة الكترونية؟
