إميل أمين
كاتب وباحث مصري مختص في الشؤون الدولية. ألف عدداً من الكتب والدراسات في الشؤون السياسية.
TT

بوتين في الصين... براغماتية لا آيديولوجيا

استمع إلى المقالة

لماذا تأتي زيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى الصين بعد أيام قلائل من مغادرة سيد البيت الأبيض، دونالد ترمب؟

من الصعب تقديم الجواب الشافي الوافي، غير أنه، وبعيداً عن دائرة المؤامرة التاريخية، يبقى من المعقول القول بأن صاحب الكرملين، ربما تقلقه فكرة العصا التي يمكن أن يغرزها العم سام، في دواليب العلاقات الصينية - الروسية، وهو أمر شديد الخطورة على موسكو في الوقت الراهن.

يشير البيان المنشور على موقع وزارة الخارجية الروسية، إلى أن الزيارة تأتي بناءً على دعوة من الرئيس الصيني شي جينبينغ، للاحتفال بالذكرى السنوية الخامسة والعشرين للتوقيع على معاهدة حسن الجوار والتعاون الودي بين البلدين.

والكرملين يؤكد على أنها فرصة للرئيسين لتعميق الشراكة والتعاون الاستراتيجي.

حسناً، هذا ممكن ووارد، غير أن السؤال الذي تلهج به الألسنة، وبعيداً عن أدبيات البروتوكولات: هل يقوم شي في ساعات الزيارة الثماني والأربعين، بدور الوساطة الحاسم والحازم، بين موسكو وكييف، لإنهاء الحرب التي تقترب من الأعوام الخمسة؟

المؤكد أنه لا يمكن بلورة جواب من غير إدراك واقعي لمدى العلاقات وقوتها بين بكين وموسكو، والقطع بما إذا كانا حليفين استراتيجيين من منطلق آيديولوجي، أم شريكين مدفوعين بنوع من المصلحة المتبادلة لكبح القوة الأميركية خصوصاً، وتحدي الهيمنة الغربية عموماً؟

بادئ ذي بدء، لا تربط الصين وروسيا تحالفات رسمية بموجب معاهدات، وليستا ملتزمتين بالدفاع عن بعضهما بعضاً، ومع ذلك أثارت شراكتهما قلقاً في واشنطن، لا سيما بعد تصريح شي في 2022 بأن شراكته مع بوتين «بلا حدود»، وقد وصف شي بوتين بأنه «أفضل صديق وزميل»، بينما بوتين خاطب شي بـ«الصديق العزيز»، مشيداً بـ«مبادرة الحزام والطريق»، وعادَّاً إياها محاولة لتحقيق «نظام عالمي أكثر عدلاً وتعدداً للأقطاب».

وعلى رغم أن روسيا والصين تميلان إلى دعم بعضهما أو على الأقل عدم معارضة إحداهما الأخرى، في مجلس الأمن حيال القرارات المهمة، فإنه وكما أشرنا مراراً، تبدو الطبقات الحضارية بين الصينيين والروس غير مرتاحة إلى بعضها بعضاً فلسفياً ومجتمعياً؛ ولهذا تسود حالة من انعدام الثقة بين الكثير من المسؤولين وقادة الأعمال والمواطنين على الجانبين، وهو وضع غالباً ما تحركه ضغائن الماضي، وهواجس عنصرية مستقبلية.

والمثير، أنه بينما شي وبوتين تربطهما علاقات ودية، فإن وضع الزعماء السابقين كان مغايراً؛ إذ فاق الافتراق حدود الوفاق.

جاءت الحرب الروسية - الأوكرانية بدورها لتضع الصين في موقف حرج، فمع أن بكين لم تقدم علناً أي مساعدة عسكرية لدعم حرب موسكو، إلا أن حلف الأطلسي لم ينفك يتهم بكين بالتواطؤ مع المجهود الحربي الروسي؛ الأمر الذي لم تبدده تصريحات شي خلال زيارته موسكو في مارس (آذار) 2023، حين حذر وبقوة من احتمالات لجوء الروس إلى السلاح النووي.

من جانب آخر، تبدو قضية التعاون العسكري الصيني - الروسي، ذات قيود، بل وتناقضات هيكلية مستمرة. أحد تلك القيود، يتمثل في القلق الروسي المحتمل بشأن سرقة الصين للملكية الفكرية من الشركات الروسية، وهو قلق متجذر في حالات سابقة متكررة قامت فيها الصين بهندسة عكسية للتكنولوجيا الروسية.

وبالنظر إلى المنافسة الجيوسياسية بين الجارين الآسيويين الكبيرين، نجد أن روسيا تخصص موارد عسكرية أقل لحدودها في الشرق الأقصى؛ ما يحقق لها مكاسب أمنية قصيرة الأجل.

لكن وعلى المدى البعيد، قد يقابل هذا التخفيض بتوسيع النفوذ الاقتصادي والسياسي الصيني في مناطق لطالما عدَّتها موسكو حدود نفوذ لها، لا سيما في آسيا الوسطى والقوقاز. عطفاً على ذلك، فإن الصين غير راضية عن منسوب العلاقات الروسية - الهندية، وعمليات نقل الأسلحة من موسكو إلى نيودلهي.

وبالعودة إلى الهدف الرئيس للزيارة، وما إذا كان بوتين يحاول تدارك أي تقارب صيني - أميركي، يمكن القول إن كل مربع ثقة بين بكين وواشنطن، وكل خطوة في طريق تهدئة التوترات، يمكن أن تراها روسيا خصماً من العلاقات مع الصين.

وهنا، لا بد من القول إن طموحات بوتين تعتمد على ترسيخ مكانة روسيا قوةً عظمى، على أن تكون موسكو ذات فائدة استراتيجية لبكين وربما لواشنطن.

وفي كل الأحوال، فإن لدى بوتين أوراقاً رابحة في القضايا العالمية الكبرى، بما فيها الحرب في أوكرانيا وإيران وأمن الطاقة ومستقبل النظام الدولي، ومع ذلك، فمن غير المستبعد شعوره بالقلق من أن يصحو ذات نهار على تفضيلات براغماتية صينية تجاه واشنطن، وبخاصة في ظل غياب أي رابط آيديولوجي مع موسكو. لذا؛ دعونا نتابع الزيارة ومآلاتها.