عوضاً عن ملاحقة ضوضاء الحروب والأزمات والكوارث الطبيعية وغير الطبيعية، يجدر اللحاق بفعاليات إنسانية تمحو قَدْر استطاعتها مضار تلك الحوادث... لما مررتُ على الرياضِ مؤخراً غيرتُ دفة متابعة أزمات لم تنتهِ بعد، وتصريحات متخبطة لا تقف عند حد، فوجهتها نحو استكشاف آفاق جديدة تجتهد في العمل وبث الأمل.
وجدت في الصدارة «مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية»، يُشرِف عليه المستشار بالديوان الملكي د. عبد الله عبد العزيز الربيعة، الجراح البارع في فصل التوائم السيامية؛ أجرى 70 عملية ناجحة حتى الآن... لكنه التزاماً بتوجيهات الملك وولي العهد، يعزز حالة وصلٍ غير قابلة للفصل وهي «جينات العطاء والنبل» المكونة «للهوية العربية الإسلامية السعودية».
ليس سراً أن الملك سلمان بن عبد العزيز هو الباعث الرئيس لنشاط برامج السعودية الإنسانية والتنموية البارزة خلال السنين الأخيرة. يتضح السر لمن تتبع مسارات عمل الملك سلمان منذ إمارة الرياض حتى اليوم، فيكتشف مقدار اهتمامه بتجسيد وتجديد العطاء السعودي، كذا إلهامه لمساعديه وكل فرق العمل؛ «كلمة الملك سلمان نبراسٌ يهتدي به العاملون» حسب د. الربيعة، تجعلهم يواصلون بشغف بلوغ أي هدف تتضمنه الرسائل والتوجيهات الملكية.
على الضفة اليمنية مثلاً، يُذكَر أن خادم الحرمين الشريفين تصدّر رئاسة لجان أهلية للتبرعات والإغاثة خلال مراحل مختلفة من ثمانينات القرن العشرين عقب كوارث طبيعية (زلازل وفيضانات) حلت بشمال اليمن وجنوبه، إلى غيره من مختلف أرجاء العالم.
وحرصاً على استدامة حضور الأثر الإنساني السعودي، تم وضع إطارٍ مؤسسي للجهود الإنسانية والتنموية حتى امتدت عبر جسور برية وبحرية وجوية إلى فلسطين، والسودان، وسوريا، وتركيا، وباكستان وأوكرانيا وغيرها وفق استعداد مسبق سريع الاستجابة، عبر مركز صار يُشار بالبنان إلى ريادته بإنجازات ملموسة، منذ نشوئه (مايو «أيار» 2015) مؤكداً تغير صورة السعودية من مجرد مصدر تمويل، إلى شريكٍ أصيل بتنفيذ برامج المساعدات الدولية؛ لا تتعجب حين تسمع يوماً ما أن بعض المشاريع والبرامج الأممية صارت قيد نظر ومراجعة وإشراف هذا المركز العامل وفق أسس «الحوكمة».
يُحسَب لاستدامة العمل الإنساني السعودي على نحو منظم ومتحيز للمتضررين من النكبات، أن هزّ أرضية أحكامٍ مسبقة وأحبط حملات إعلامية مضللة.
لأن العمل، على أساس خدمة الإنسانية بغير أجندة خفية، عنوان سردية السعودية المتجددة، حريٌ بالمؤسسات العامة والمدنية في البلدان المنكوبة، أن تواكب هذه السردية بوعي وجدية، فتغدو جزءاً ملهماً فيها، لا سيما اليمن الذي تلقى - ولا يزال يتلقى - النصيب الأعظم من إجمالي المساعدات - قرابة 4 مليارات ونصف المليار دولار، ويحتضن ثلاثة فروع للمركز - ناهيك عن نشاط مشروع مسام لنزع الألغام.
سواءٌ كان المستفيد اليمن أو بقية الـ113 دولة تستفيد من مساعدات الجانب السعودي، فإن عليهم مراعاة تغير المنهج، والعمل على تطوير تعاطيهم مع جانبٍ يصنع أداؤه وعطاؤه الملموس الأثرَ المباشر على حياة المستفيدين وسط تلك البلدان؛ كونه يستهدف تحقيق شراكة تصنع الفارق الواضح، سواء أكان بتمكين المهارات أو إنقاذ الحياة.
تفرغ من مطالعة فعاليات «مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية»، وتنتهي من الإصغاء لأحاديث شيقة للدكتور عبد الله الربيعة في مجالس خاصة أو محاضرات عامة - آخرها بجامعة المعرفة 29 أبريل (نيسان) 2026، فتستشعر جدوى الفصل بين من يختلق المعاناة لأبناء بلاده وبين من يخففها عنهم، ومتعة اتساع نطاق المتابعة إلى زارعي الأمل وسط صحاري اليأس والقنوط، بغير أجندة سوى تسخير القدرات لإغاثة الإنسان وتمكينه من تجويد الحياة في أي مكان.
