هدى الحسيني
صحافية وكاتبة لبنانية، عملت في صحف ومجلات منها: «الأنوار»،«النهار» العربي والدولي،«الوطن العربي»،«الحوادث» و«الصياد». حاورت عدداً من الزعماء منهم: الخميني، الملك الحسن الثاني، الملك حسين والرؤساء أنور السادات، حسني مبارك، صدام حسين، جعفر نميري، ياسر عرفات وعيدي أمين. غطت حرب افغانستان، الثورة الايرانية، الحرب الليبية - التشادية، عملية الفالاشا في السودان وإثيوبيا، وحرب الخليج الاولى.
TT

هل من غورباتشوف إيراني لإنقاذ البلاد؟

استمع إلى المقالة

فجّر المستشارُ الألماني، فريدريش ميرتس، الخلافَ الأوروبي مع الولايات المتحدة بإعلانه أن الأخيرة دخلت الحرب مع إيران من دون استراتيجية واضحة للخروج، وأن إيران «تُحرج» الولايات المتحدة سياسياً في المفاوضات وتتفوق في التخطيط الاستراتيجي. وقد رد الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، بعنف على المستشار الألماني، قائلاً إنه من الأفضل أن يهتم بحلّ أزمة أوكرانيا وباقتصاد بلاده المتعثر.

هذا الخلاف ليس حكراً على ألمانيا فقط، بل يشمل باقي دول «الاتحاد الأوروبي» التي لم يشاركها الرئيس ترمب قرارَ الحرب على إيران، وهي تعاني من تبعات القرار، خصوصاً بعد إغلاق مضيق هرمز وتوقف حركة الملاحة.

وعلى الرغم من أن الخلافات الأوروبية - الأميركية سبقت الحرب مع إيران، وعلى الأرجح ستستمر بعد انتهاء هذه الحرب، فإن الإعلامَ الإيراني وأبواقَ الأذرع التابعة عدّت أن الخلاف بين ألمانيا والولايات المتحدة هو بسبب صمود النظام في وجه العدوان الأميركي - الإسرائيلي، وأن النظام سيخرج من الحرب منتصراً.

وقد ظهرت مقالات عدة في الإعلام الممانع تشبّه العدوان الأميركي - الإسرائيلي على إيران بالعدوان الثلاثي البريطاني - الفرنسي - الإسرائيلي على مصر عام 1956، الذي انتهى بعد صمود مصر وهزيمة المعتدين وتغير النظام العالمي الذي كان قائماً حينها.

بعيداً عن الإعلام الموجّه لرفع المعنويات و«استمرار الصمود»، فإن الحقيقة على الأرض في مكان آخر... فالخلاف الأميركي - الأوروبي، وإمكانية انفراط «حلف شمال الأطلسي (ناتو)»، ربما يكونان هدفاً للرئيس ترمب يسعى إليه؛ لتحرير بلاده من «الأعباء غير المُجدية»... وقد ردد في مقابلات وتغريدات كثيرة أن الولايات المتحدة لن تستمر في تمويل «الحلف الأطلسي» كما كان في السابق، وأن على الدول الأعضاء رفع قيمة إسهاماتها في تكاليف تتعلق بحماية أمنها.

من ناحية أخرى، هناك مفهوم خاطئ للانتصار لدى إيران، فعندما تدمَّر البنى التحتية، ويعمّ الجوعُ والعوز، وتُستباح الأجواء، وتحاصَر الموانئ، ويُقتل القادة والناس... فعن أي انتصار نتكلم؟ ومقولة الكرامة والعزة لا تُطعِم خبزاً ولا تشفي مريضاً.

آدم سميث، الفيلسوف والكاتب، الذي يُعدّ «أبو علم الاقتصاد»، يقول في كتابه «ثروة الأمم» إن نجاح الأمة يكون برخاء وسعادة شعبها، ويستحيل هذا عندما يقبع الشعب في الفقر والعوز وعدم الإنتاج، وهذا هو وضع إيران لعقود طويلة خلت.

وعليه؛ فإن الحرب الدائرة اليوم هي أشبه بوضع الاتحاد السوفياتي بعد أن كشف الرئيس الأسبق ميخائيل غورباتشوف عن حقيقة الاقتصاد المنهار وعدم القدرة على الاستمرار في «الاتحاد» بعد تكاليف حرب أفغانستان حينها.

فهل من غورباتشوف إيراني يصارح شعبه بحقيقة أوضاعه ويضع نهاية للمأساة الإيرانية؟

حين نتحدث اليوم عن حاجة إيران إلى «غورباتشوف جديد»، فنحن لا نتحدث عن اسم بقدر ما نتحدث عن لحظة تاريخية فاصلة، وعن رجل يملك الشجاعة ليقول إن هذا المسار لم يعد قابلاً للاستمرار. الاتحاد السوفياتي لم يسقط فقط بسبب الصراع الخارجي؛ بل لأن الداخل كان ينهار بصمت، والناس كانت تدفع الثمن كل يوم من لقمة عيشها ومن مستقبل أولادها. واليوم تبدو إيران أمام صورة مشابهة، حيث تتراكم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية حتى باتت حياةُ الناس نفسُها رهينةَ هذا الانهيار المستمر.

التقارير الصادرة من داخل الإعلام الحكومي نفسِه تكشف عن حجم المأساة... ارتفاع أسعار المواد الغذائية لم يعد مجرد مشكلة عابرة، بل تحول أزمةً يوميةً تخنق العائلات... الأسرة التي لديها طفل واحد ما زالت تحاول التكيف بصعوبة، فتخفّض مصاريف الترفيه، وتقلل شراء بعض المواد الغذائية، وتحاول الحفاظ على الحد الأدنى من احتياجات الطفل. لكن حتى هذه العائلات لم تعد تشعر بالأمان؛ لأن الغلاء يلتهم كل شيء؛ من الخبز، إلى الحليب، إلى الزيت...

أما العائلات الكبيرة، التي لديها أطفال أكثر، فهي تعيش كارثة حقيقية... كل زيادة في سعر الطعام تعني انهياراً جديداً في ميزانية البيت. ارتفاع سعر الحليب لا يعني تقليل شراء عبوة واحدة، بل يعني حرمان أطفال كُثر من غذائهم اليومي. ومع الوقت، يصبح الطفل نفسه ضحية مباشرة للتضخم... لا يفهم معنى الاقتصاد؛ لكنه يشعر بالجوع والحرمان.

هذا الأمر لا يهدد الحاضر فقط، بل يضرب المستقبل كله. حين يكبر جيل على سوء التغذية، وضعف الرعاية الصحية، وانعدام الاستقرار النفسي... فإن الدولة نفسَها تدفع ثمن ذلك عقوداً طويلة.

وفي قلب هذه الصورة، يظهر عجز الدولة حتى عن دفع رواتب موظفيها... فموظفو القطاع العام لم يتقاضوا رواتبهم منذ أكثر من شهر، وبعد وعود متكررة بقرب الدفع، أُبلغوا بتأجيل جديد 3 أسابيع إضافية. هذا ليس مجرد تأخير إداري، بل رسالة واضحة بأن الدولة نفسَها تعاني اختناقاً مالياً حاداً. الموظف الذي ينتظر راتبه ليشتري الطعام أو الدواء لا يعيش مجرد ضائقة؛ بل يعيش إهانة يومية تدفعه إلى فقدان الثقة بكل مؤسسات الحكم.

ومع كل هذا الانهيار، لا يُظهر النظام الإيراني أي استعداد للمراجعة، بل يزداد شراسة وهمجية. بدل فتحه بابَ الإصلاح، فإنه يوسع دائرة القمع والإعدامات... وبدل اعترافه بالفشل، يضاعف الإنفاق على الصراعات الخارجية والمشروعات الأمنية. وكأن السلطة ترى بقاءها في مزيد من القبضة الحديدية لا في إنقاذ الناس من الجوع.

لهذا؛ تبدو إيران اليوم في حاجة إلى غورباتشوف، لا ليكرر التجربة السوفياتية حرفياً، بل ليكسر جدار الإنكار. تحتاج إيران إلى قيادة تعترف بأن استمرار هذا النهج يعني دفع البلاد نحو انفجار أكبر. فحين تصبح لقمة الخبز معركة يومية، وحين يتحول راتب الموظف إلى وعد مؤجل، وحين يكبر الأطفال على الحرمان بدل الأمل... فلا يبقى التغييرُ خياراً سياسياً؛ بل يصبح ضرورة وجودية.