في ظل سخونة الحروب في الشرق الأوسط من الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران في الخليج والاعتداءات الإيرانية على دول الخليج العربية، إلى الحرب الإسرائيلية ضد لبنان غداة تفعيل منطق وحدة الساحات أو حرب المساندة لغزة، ومن ثم لإيران التي وجدتها إسرائيل بمنزلة فرصة ذهبية للعمل على تغيير الوضع القائم في جنوب لبنان؛ الوضع الذي أوجده عملياً قرار مجلس الأمن «1701» منذ صدوره في صيف 2006 - تبرز من جديد ساحة أخرى للخلافات في البيت الغربي أو الأطلسي (منظمة «حلف شمال الأطلسي»).
واشنطن تتهم حلفاءها الأوروبيين بأنهم لم يقوموا بما يجب أن يقوموا به عسكرياً في التعاون وتوفير الدعم العسكري للولايات المتحدة في العمل على إبقاء مضيق هرمز الاستراتيجي مفتوحاً، والذي أقفلته النيران والتهديدات الإيرانية كورقة أساسية في يد إيران في الحرب الدائرة.
وعلى رغم التمايز بين الدول الأوروبية في درجة الدعم السياسي للحرب الأميركية، فإن دول القارة القديمة يفضلون، ولو بدرجات مختلفة بينهم، تلافي الحرب والبحث عن حلول سياسية؛ لما لإقفال المضيق من تداعيات جمّة على الاقتصاد العالمي في مجالات مختلفة، وعلى اقتصاداتهم بشكل خاص.
مشكلة أخرى في «البيت الغربي» تهدد تماسك الحلف الأطلسي، تتمثل في أزمة جزيرة غرينلاند، التي هي جزء من الدنمارك، والتي كانت واشنطن قد احتلتها عام 1945، في إطار تعزيز دفاعها أمام احتمال حدوث غزو من ألمانيا النازية، ثم وقّعت اتفاقاً دفاعياً مع الدنمارك عام 1951، للاحتفاظ بقواعد عسكرية في الجزيرة؛ نظراً لأهميتها الاستراتيجية في منطقة القطب الشمالي، التي تبعد عنها غرينلاند بنحو 725 كيلومتراً. ويريد ترمب «استعادتها»، بشكل أو بآخر، في إطار سيناريوهات تعزيز النفوذ والمواجهة الممكنة مع كل من القطبين الدوليين الآخرين: روسيا الاتحادية والصين الشعبية.
أدى ذلك بالطبع إلى تأزم، ولو ممسوكاً حتى الآن، مع الدنمارك بشكل خاص، ومع الدول الغربية ولو بدرجات مختلفة.
ما اعتبره الرئيس الأميركي بمنزلة طعنة أو خيبة أمل من الحلفاء الغربيين، فيما يتعلق بالحرب مع إيران، سبقه إليه هؤلاء بخيبة أملهم من موقف ترمب فيما يتعلق بالحرب الأوكرانية؛ الحرب في البيت الأوروبي، والتهديد الذي تشكله الحرب الروسية على أوكرانيا، والمطالب الروسية لوقف الحرب، والأفكار الروسية للتسوية المطروحة، والتي يعتبرها الأوروبيون أنها تشكل مساساً بالوحدة الترابية لأوكرانيا، والأهم للأمن الاستراتيجي الغربي، وللبيت الأوروبي بشكل خاص... ويعتبر الأوروبيون أن واشنطن تحاول التوصل إلى تسوية تقوم على تفاهمات مع موسكو في مواضيع تشمل أوكرانيا وغيرها، على حساب حلفائها الأوروبيين، تخدم مصالح واشنطن في «دبلوماسية الصفقات» التي تقوم على «عقيدة السياسة الأحادية» لإدارة ترمب، والتي هي بمنزلة نقيض لاستراتيجية التعاون المتعدد الأطراف الذي ترتكز عليه منظمة «حلف شمال الأطلسي». ويرى كثيرون أن مصير «الناتو» سيكون مثل مصير منظمة «حلف وارسو» التي «انتهت» مع نهاية الاتحاد السوفياتي «والحلف الشرقي». ولكن سيحصل ذلك حسب هذا الرأي بشكل تدريجي نتيجة تصاعد الخلافات باختلاف الأولويات وتزايدها بين أعضائه بعد انتهاء الخطر المشترك الذي كان يواجههم، وبالتالي يوحّدهم في القضايا ذات الطبيعة الاستراتيجية.
ويرى آخرون أن «الناتو» سيضعف دون شك مع الوقت، دون أن تُعلَن نهايته بالضرورة رسمياً؛ فيبقى إطاراً مؤسسياً فارغاً ودون أي فاعلية، إذا لم يستطع أن يبلور «عقيدة استراتيجية جديدة»، وهذا خيار آخر، تتعاطى مع تحديات عالم «ما بعد بعد الحرب الباردة». المستقبل سيدل على أي من الخيارات هو الممكن.
