فقدان سان جيرمان لقب الدوري الفرنسي لا يقلل من إنجازات كيليان مبابي

يمتلك نجم منتخب فرنسا الكثير من الجوانب الإنسانية إلى جانب موهبة لا تنضب

لعب مبابي دوراً بارزاً في فوز سان جيرمان بكأس فرنسا (أ.ف.ب)
لعب مبابي دوراً بارزاً في فوز سان جيرمان بكأس فرنسا (أ.ف.ب)
TT

فقدان سان جيرمان لقب الدوري الفرنسي لا يقلل من إنجازات كيليان مبابي

لعب مبابي دوراً بارزاً في فوز سان جيرمان بكأس فرنسا (أ.ف.ب)
لعب مبابي دوراً بارزاً في فوز سان جيرمان بكأس فرنسا (أ.ف.ب)

إنهاء باريس سان جيرمان الموسم بلقب واحد كبير بعدما خسر الصراع مع ليل على لقب دوري الدرجة الأولى الفرنسي، لا يقلل بأي حال من الأحوال من تألق النجم الفرنسي كيليان مبابي مع فريق العاصمة على مدار الموسم، والدور لعبه في تتويج سان جيرمان قبل أيام بلقب كأس فرنسا. كما أن خسارة لقب الدوري جاء بعد تغلب ليل على أنجيه 2 - 1 ليتوج باللقب متفوقاً بفارق نقطة واحدة أمام سان جيرمان الذي فاز أيضأ على بريست بهدفين نظيفين في المرحلة الثامنة والثلاثين الأخيرة من المسابقة. وقال مبابي - الذي صنع الهدف الأول وأحرز الثاني - بعد المباراة، إن «الفوز بهداف البطولة للمرة الثالثة على التوالي مصدر فخر ».
في المباراة النهائية لكأس فرنسا بين باريس سان جيرمان وموناكو، بدا الأمر وكأن عالم كرة القدم بأسره قد توقف وهو يشاهد إبداعات النجم الفرنسي الشاب مبابي. فبينما كانت النتيجة تشير إلى التعادل السلبي، نفذ موناكو ركلة ركنية من جهة اليمين لتسقط الكرة أمام مبابي داخل منطقة جزاء فريقه وهو يقوم بواجباته الدفاعية، ليبدأ النجم الصاعد بسرعة الصاروخ في إبهار الجميع بموهبته الفذة، حيث استقبل الكرة بشكل رائع وبدأ في الركض باتجاه خط الوسط قبل أن يتحرك يميناً ثم يساراً ويراوغ ثلاثة لاعبين من موناكو. وبعد ذلك، أبطأ مبابي سرعته في دائرة خط الوسط وراوغ لاعباً رابعاً، ثم حرك قدميه من فوق الكرة وانطلق مرة أخرى، فيما بدا وكأنه مشهد مسرحي هزلي.
لقد تلاعب مبابي بلاعبي موناكو الذي يعد من الأندية الكبيرة، أما اللاعب الذي راوغه مبابي بشكل مهين فهو غبريل سيديبي، الفائز بلقب كأس العالم والذي لعب 18 مباراة دولية مع منتخب فرنسا. وحتى تلك اللحظة، كان سبعة لاعبين يطاردون مبابي ويدورون حوله، بينما كان مبابي يتحكم بالكرة بشكل مذهل قبل أن يمررها ناحية اليمين. وبعد ذلك بقليل، صنع مبابي الهدف الافتتاحي في المباراة لماورو إيكاردي. وفي الشوط الثاني، رأى مبابي حارس موناكو، رادوسلاف ماجيكي، متقدماً عن مرماه فلعب الكرة ببراعة من على مسافة 45 ياردة بقدمه اليمنى لتصطدم بالعارضة في مشهد جميل كان من الممكن أن يكون أفضل هدف في الموسم.
وعندما سجل مبابي الهدف الثاني لفريقه بلمسة رائعة بقدمه اليسرى هذه المرة، وصفه المعلق التلفزيوني الفرنسي بأنه «لاعب فوق العادة». إنه محق تماماً؛ لأن مبابي لاعب استثنائي في حقيقة الأمر، ويمكنني القول بأن مبابي هو أفضل لاعب في العالم في الوقت الحالي. لكن يجب أن نشير أيضاً إلى أن النجم الأرجنتيني ليونيل ميسي لا يزال يقدم مستويات استثنائية، على الرغم من أن سرعته قلت كثيراً عن ذي قبل بسبب وصوله إلى الثالثة والثلاثين من عمره. لكن مبابي الآن في أوج عطائه الكروي ويقدم أداء يجعله قادراً على التألق في أي فريق ينضم إليه، بل والتطور والوصول إلى مستويات أعلى.
ومن الواضح، أن مبابي في حالة ذهنية وبدنية رائعة، وقد ظهر ذلك عندما خلع قميصه قبل انطلاق الشوط الثاني. وأمام موناكو، كان النجم الفرنسي الشاب يصول ويجول داخل المستطيل الأخضر، فتارة تراه ناحية اليسار، وتارة أخرى ناحية اليمين، ثم تراه في عمق الملعب ليلعب تمريرات سحرية إلى زملائه. وتعرض مبابي لتدخلات بدنية عنيفة خلال اللقاء، لدرجة أن أحد اللاعبين قد داس على رأسه في إحدى الكرات، وهي التدخلات التي تجعلنا ندرك تصريحات لاعب آرسنال، غابرييل، التي قال فيها، إن الدوري الفرنسي الممتاز «أقوى بدنياً» من الدوري الإنجليزي الممتاز. ومن الواضح أن الدوري الفرنسي يضم عدداً كبيراً من اللاعبين الأقوياء ذوي الإمكانيات والطموحات الكبيرة.
وعلى الرغم من أن باريس سان جيرمان قد يكون مشروعاً ممولاً من دولة، فإنه دخل مباراة موناكو وهو يفتقر للعديد من النجوم، لدرجة أن صحيفة «ليكيب» قالت إن الفريق سيدخل المباراة وهو «يفتقر إلى الإبداع بشكل صارخ». وبالتالي، كانت هذه هي اللحظة المناسبة لمبابي لكي يقود هذه المجموعة من اللاعبين في هذه المباراة المهمة، وقد أثبت النجم الفرنسي أنه على القدر المسؤولية وتألق بشكل لافت للأنظار.
في الحقيقة، لم يكن هذا شيئاً جديداً، حيث يتألق مبابي ويقدم مستويات مذهلة منذ خمس سنوات. لكن الشيء الآخر الذي أود التأكيد عليه بخصوص هذا الصبي القادم من ضاحية بوندي الفرنسية هو أنه شخص محبوب للغاية. وقبل المباراة النهائية للكأس، حاول أحد الصحافيين إثارة الجدل فسأل مهاجم ليل، جوناثان بامبا، عما إذا كان مبابي قد أظهر عدم الاحترام لنادي ليل عندما قال، إن باريس سان جيرمان يفضل خسارة لقب الدوري على أن يفوز به ليل، فهز بامبا كتفيه وقال، إن مبابي لم يكن يقصد ذلك بكل تأكيد، فهذه ليست شخصيته!
إنه موضوع متكرر مع مبابي، الذي يتسم بالتواضع والوضوح، رغم كل ما حققه في هذه السن الصغيرة. وهذا هو الجزء الأكثر إثارة للاهتمام في مبابي، فهو يجسد مفارقة رئيسية في كرة القدم الحديثة، فهناك عدد كبير من الجماهير التي تدعمه أكثر من النادي نفسه، والدليل على ذلك أن عدد متابعيه على إنستغرام بلغ 50 مليون شخص (أكثر من متابعي باريس سان جيرمان). وهناك الكثير من الشباب الذين سيتوقفون عن دعم باريس سان جيرمان ويواصلون دعم مبابي عند رحيله إلى ناد آخر، فهم يدينون بالولاء للاعب وليس للنادي.
وقد يكون هذا أمراً منطقياً تماماً من نواحٍ كثيرة، خاصة بعد رغبة عدد من الأندية الكبرى في إقامة بطولة دوري السوبر الأوروبي بحثاً عن جني مزيد من الأموال. وفي المستويات العليا من اللعبة، فإن اللاعبين هم من يضفون الطابع الإنساني على كرة القدم الآن ويمنحون هذه الصناعة العالمية قدراً من المشاعر والأحاسيس. ويتميز مبابي بأنه رياضي لامع وممتع وملهم، وبالتالي أصبح معشوقاً لعدد كبير من الجماهير التي تبحث عن الطابع الإنساني للعبة بعيداً عن الأمور المادية.
فوز ليل بلقب الدوري الفرنسي الممتاز هو بمثابة إنجاز رائع لهذا الفريق الجيد. أما مبابي فسيكون أمامه صيف آخر لتحقيق إنجاز عظيم، حيث سيقود منتخب بلاده في نهائيات كأس الأمم الأوروبية. ومن الناحية النظرية، تمتلك فرنسا خط هجوم نارياً في هذه البطولة. إن استدعاء كريم بنزيمة، الذي يتميز بأنه من نوعية اللاعبين الذين يلعبون من أجل الفريق، يعود إلى الرغبة في تحقيق أقصى استفادة ممكنة من المواهب الرائعة في فرنسا. لكن على أي حال، من المتوقع أن يمتعنا مبابي بالكثير من مستودع موهبته الذي لا ينفد وسط كل هذا الضوضاء والضجيج لعالم كرة القدم الحديثة!


مقالات ذات صلة

مبابي يعد باحتفال غير معتاد إذا سجل أمام السنغال

رياضة عالمية كيليان مبابي قائد منتخب فرنسا (أ.ب)

مبابي يعد باحتفال غير معتاد إذا سجل أمام السنغال

كشف كيليان مبابي عن احتفال غير تقليدي قد يظهره خلال مباراة فرنسا والسنغال في افتتاح مشوار المنتخب الفرنسي بكأس العالم.

فاتن أبي فرج (بيروت)
رياضة عالمية ديديه ديشان المدير الفني للمنتخب الفرنسي (أ.ب)

«مونديال 2026»: ديشان ينتقد ازدحام جدول المباريات

انتقد الفرنسي ديديه ديشان، المدير الفني للمنتخب الفرنسي لكرة القدم، تزايد الأعباء الواقعة على لاعبي كرة القدم في أعلى المستويات.

«الشرق الأوسط» (بوسطن )
رياضة عالمية عثمان ديمبيلي مع قائد فرنسا كيليان مبابي (أ.ب)

ديمبيلي: الانتقادات ضد مبابي «تجاوزت الحدود»

دافع عثمان ديمبيلي، مهاجم المنتخب الفرنسي، عن قائد الفريق كيليان مبابي، قائلاً إن الانتقادات الموجهة لمهاجم ريال مدريد أصبحت مُبالغاً فيها.

«الشرق الأوسط» (نيويورك )
رياضة عالمية كيليان مبابي قائد المنتخب الفرنسي (رويترز)

مبابي: الفوز بكأس العالم أهم من لقب الهداف التاريخي

يمكن أن يصبح كيليان مبابي، لاعب المنتخب الفرنسي لكرة القدم، الهداف التاريخي لكأس العالم، لكن النجم الفرنسي أكد أن الفوز بلقب آخر أكثر أهمية.

«الشرق الأوسط» (بوسطن)
رياضة عالمية الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وزوجته بريجيت ماكرون يتوسطان المنتخب الفرنسي لكرة القدم خلال زيارة لملاعب تدريب المنتخب الوطني في كليرفونتين أون إيفلين جنوب غربي باريس 2 يونيو 2026 (أ.ف.ب)

هل تستفيد شعبية ماكرون من إنجازات منتخب «الديوك» الفرنسي في «كأس العالم»؟

رغم دعم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون المتواصل لمنتخب بلاده، تشير التجارب إلى أن نجاحات «الديوك» المحتملة لن تنعكس على شعبيته السياسية.

«الشرق الأوسط» (باريس)

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية
TT

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

تتجه أنظار عشاق كرة القدم حول العالم اليوم صوب ملعب «ميتلايف» في نيوجيرسي، لمتابعة واحدة من أقوى القمم المبكرة في مونديال 2026، والتي تجمع بين عملاق أميركا الجنوبية منتخب البرازيل والمنتشي بإرثه العالمي المنتخب المغربي لحساب الجولة الأولى للمجموعة الثالثة.

تتجاوز هذه الموقعة صراع النقاط الثلاث التقليدي، لتتحول إلى مسرح لصدام عاطفي وفني فريد، بطلَاه نجما ريال مدريد، البرازيلي فينيسيوس جونيور والمغربي إبراهيم دياز، اللذان يخلعان قميص «الملكي» الأبيض ليرتدي كل منهما لواء وطنه، في حوار تكتيكي يرفعان فيه شعار: «زملاء الأمس... أعداء الليلة».

إبراهيم دياز لاعب منتخب المغرب (أ.ف.ب)

زمالة «مدريد» تحت مجهر الحسم الدولي

على مدار مواسم طويلة في «سانتياغو برنابيو»، تشارك الثنائي فينيسيوس ودياز لحظات المجد المحلى والأوروبي، وصنعا معاً منظومة هجومية أرعبت قارة أوروبا تحت إشراف كارلو أنشيلوتي، إلّا أن حسابات العشب الأخضر في نيوجيرسي تفرض منطقاً مغايراً، فالنجم البرازيلي فينيسيوس، الذي يحمل على عاتقه إثبات جدارته كقائد أول لخط هجوم «السيليساو» في غياب نيمار المصاب، يجد نفسه وجهاً لوجه أمام رفيق دربه دياز، الذي بات القائد الملهم للمشروع المغربي الجديد. هذا التنافس المباشر يضع صداقة الغرف المغلقة جانباً، حيث يسعى كل لاعب لتوظيف نقاط ضعف زميله التي خبرها في التدريبات اليومية لصالح منتخب بلاده.

فينيسيوس جونيور (إ.ب.أ)

فلسفة أنشيلوتي الهجومية تواجه طموح محمد وهبي

تكتيكياً، تبرز المباراة كصراع أفكار فني عميق بين مدرستين، فمنتخب البرازيل يدخل اللقاء تحت قيادة الإيطالي المخضرم كارلو أنشيلوتي، الذي يراهن على توليفة هجومية ضاربة ورسم تكتيكي جريء يعتمد على الأطراف وسرعة فينيسيوس لخلخلة الخطوط. في المقابل، يتسلح «أسود الأطلس» بفلسفة الناخب الوطني الجديد محمد وهبي، الذي نجح في فرض الانضباط والمنظومة الجماعية المتكاملة. ويرتكز مخطط وهبي على منح إبراهيم دياز حرية الحركة الكاملة في صناعة اللعب والربط بين الخطوط، مستغلاً مهاراته الفردية العالية لإيجاد الثغرات في التكتل الدفاعي البرازيلي؛ ما يجعل وسط الميدان ساحة شطرنج حقيقية بين عقل دياز الاستراتيجي وقوة السامبا البدنية.

طموح «لبرازيل أفريقيا» في مواجهة ملوك السامبا

لا تتوقف الإثارة عند حدود الصراع الفردي، بل تمتد إلى الرغبة المغربية الجارفة في تأكيد مكانة الفريق بين نخبة الكبار، والبناء على إنجاز قطر التاريخي. وقد لخص فينيسيوس جونيور نفسه هذا الاحترام الكبير في مؤتمره الصحافي واصفاً المغرب بـ «برازيل أفريقيا» نظراً للقدرات المهارية العالية للاعبيه.

ورغم التاريخ الذي يقف بجانب السامبا بانتصارهم المونديالي الوحيد في نسخة 1998 بثلاثية نظيفة، فإن الذاكرة القريبة تحمل معها فوزاً ودياً تاريخياً للمغرب عام 2023. هذا التكافؤ الحديث يمنح دياز ورفاقه الثقة الكاملة للدخول إلى الملعب ليس فقط بغرض مجاراة البرازيل، بل بهدف خطف صدارة المجموعة مبكراً.


من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس
TT

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

بين الفكر الفرنسي الواقعي الذي صاغ أمجاد وليد الركراكي، والنزعة البلجيكية الهجومية البناءة التي يحمل لواءها محمد وهبي، تعيش كرة القدم المغربية اليوم تحولاً استراتيجياً عميقاً يعيد رسم ملامح هويتها التكتيكية على أعتاب الاستحقاقات المونديالية

.

هذا التباين بين المدرستين ليس مجرد اختلاف في الأسماء أو تبديل في المقاعد الفنية، بل هو صراع فكري بين الفلسفة البراغماتية الصارمة التي تتخذ من التنظيم الدفاعي والارتداد السريع سبيلاً لمنصات التتويج، وبين المدرسة التكوينية الحديثة القائمة على الاستحواذ الإيجابي وصناعة اللعب من الخلف. ومع تولي وهبي قيادة «أسود الأطلس»، يجد المنتخب المغربي نفسه أمام مفترق طرق تكتيكي يتطلب الموازنة بين الحفاظ على صلابة الإرث الدفاعي السابق، والانفتاح على جرأة هجومية تواكب تطلعات الجيل الموهوب الحالي.

وليد الركراكي

مدرب المنتخب المغربي السابق وليد الركراكي (رويترز)

تتجسد جذور هذا الخلاف الفلسفي في البيئة الكروية التي نشأ وتأثر بها كل مدرب، فالركراكي، الذي صُقلت هويته كلاعب ومدرب في الدوري الفرنسي وفي صفوف المنتخب المغربي، يميل بطبعه إلى «الواقعية الكلاسيكية» والكتل الدفاعية المدمجة (Low Block) التي تخنق المساحات أمام الخصوم. هذا الأسلوب أثبت نجاعته الفائقة في مونديال قطر 2022 عبر تعطيل أعتى خطوط الهجوم العالمية.

محمد وهبي

مدرب المنتخب المغربي محمد وهبي (رويترز)

في المقابل، يمثل محمد وهبي امتداداً للمدرسة البلجيكية المعاصرة التي ترعرع في كنفها كأحد أبرز المكونين بنادي أندرلخت، وهي مدرسة تؤمن بالاستحواذ الذكي، والضغط العالي العكسي، والبناء المنظم عبر الخطوط الثلاثة لفرض السيطرة المطلقة على مجريات اللعب.

ويظهر الاختلاف التكتيكي الأكثر إثارة بين الرجلين في كيفية التعامل مع المنظومة الهجومية وموقع المهاجم في الخطة البنيوية، حيث يفضل الركراكي الاعتماد على «رأس الحربة التقليدي» الصريح والمحطة البدنية القوية التي تجيد حجز المدافعين ومطاردة الكرات الطولية لتخفيف الضغط على الخط الخلفي. أما وهبي، وانطلاقاً من تجاربه مع المنتخبات الشابة وتتويجه بمعية المنتخب المغربي بكأس العالم تحت 20 عاماً، فإنه يميل بوضوح إلى تكتيك «المهاجم الشبح» أو (False 9). هذا التكنيك يعتمد على سحب قلب الدفاع إلى مساحات خارج الصندوق، مما يفرغ مساحات شاسعة للقادمين من الخلف من الأجنحة ولاعبي الوسط لضرب العمق الدفاعي فجأة وبكثافة عددية مربكة.

يأتي هذا التحول التكتيكي ليمثل تتويجاً لمسار طويل من التطوير البنيوي الذي تقوده الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم ضمن خارطة الطريق الاستراتيجية البعيدة المدى.

الانتقال إلى فكر وهبي يهدف بالأساس إلى فك شفرة «المحدودية الهجومية» التي عانى منها المنتخب أمام المنافسين المتكتلين دفاعياً، وهي المعضلة التي كشفت عنها بعض المواجهات القارية اللاحقة للإنجاز المونديالي.

خطة تأهيل المنظومة الجديدة لا تسعى لإلغاء المكتسبات الماضية، بل تهدف إلى تطعيم «القلعة الدفاعية» بمرونة تكتيكية هجومية تجعل من الأسود فريقاً قادراً على المبادرة وصناعة الفارق والتحكم في إيقاع المباريات ضد أي منافس عالمي.

ويبقى السؤال الأبرز في الأوساط الرياضية العالمية: هل يحذو وهبي حذو الركراكي في تحقيق طفرة مونديالية سريعة مكللة بالنجاح؟ فالمؤشرات الحالية تؤكد أن الطاقم الفني الجديد يمتلك الأدوات البشرية المثالية لتطبيق هذه الفلسفة الحديثة، في ظل وجود عناصر شابة تمتاز بالفنيات العالية والسرعة الفائقة في التحول. غير أن التحدي الحقيقي يكمن في مدى قدرة اللاعبين على استيعاب وتطبيق مرونة «المهاجم الشبح» والضغط العكسي في فترات زمنية وجيزة قبل الدخول في معترك المنافسات الرسمية الكبرى، ليبقى هذا التحول الفلسفي بمنزلة الرهان الأكبر لصياغة فصْلٍ غير مسبوق في تاريخ الكرة الأفريقية والعربية.


«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
TT

«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)

يدخل المنتخب المغربي منافسات كأس العالم 2026 بطموحات عريضة مرتكناً إلى إرثه التاريخي المسجل في الدوحة قبل أربعة أعوام ويسعى «أسود الأطلس»، تحت قيادة المدير الفني محمد وهبي، إلى إثبات أن الإنجاز المونديالي السابق لم يكن وليد الصدفة، بل بداية عهد جديد للكرة الأفريقية والعربية في المحافل العالمية.
وضعت القرعة المونديالية الأسود في المجموعة الثالثة، التي تفرض تحديات متباينة تجمع بين هيبة السامبا البرازيلية، واندفاع الكرة الاسكوتلندية، وطموح منتخب هايتي العائد بعد غياب.

صدام النخبة... اختبار السامبا المبكر في «نيو جيرسي»

 

تتجه أنظار الملايين صوب ملعب نيويورك/ نيو جيرسي (استاد ميتلايف) في الثالث عشر من يونيو (حزيران) 2026. يستهل المنتخب المغربي مشواره بقمة كروية من العيار الثقيل أمام المنتخب البرازيلي، المرشح الدائم وفوق العادة لنيل اللقب. وتنطلق صافرة البداية في تمام الساعة السادسة مساءً بالتوقيت الشرقي لأميركا (الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط).

تقنياً، تمثل هذه المواجهة الافتتاحية حجر الأساس لـ«أسود الأطلس»، فالخروج بنتيجة إيجابية أمام رفاق فينيسيوس جونيور سيعزز الثقة ويسهل حسابات التأهل.

من المتوقع أن يعتمد وهبي على التنظيم الدفاعي الصارم والارتداد الهجومي السريع عبر الأطراف، مستغلاً سرعات أشرف حكيمي وتحركات إبراهيم دياز التي أثبتت نجاعتها في الوديات الأخيرة ضد المنتخبات الأوروبية.

 

معركة بوسطن... صراع الأنماط أمام الاندفاع الاسكوتلندي

في الجولة الثانية، يشد المنتخب المغربي الرحال نحو الشمال الشرقي وتحديداً صوب ملعب بوسطن (استاد جيليت) في ماساتشوستس. هناك، يلتقي «أسود الأطلس» المنتخب الاسكوتلندي يوم الجمعة التاسع عشر من يونيو (حزيران) 2026، عند الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط.

تحليلياً، تعد هذه المباراة «مفترق طرق» حقيقي، الكرة الاسكوتلندية تمتاز بالاندفاع البدني العالي والكرات الطولية والكرات الثابتة الخطيرة بقيادة عناصر تلعب في مستويات «البريميرليغ». يكمن المفتاح في فرض أسلوب الاستحواذ الأرضي، وتفعيل دور خط الوسط عبر سفيان أمرابط وعز الدين أوناحي لامتصاص الحماس الاسكوتلندي، وحرمان المنافس من فرض إيقاعه البدني المرهق.

 

ختام المجموعة في أتلانتا... حسم التأهل أمام طموح هايتي

يختتم المنتخب المغربي مبارياته في الدور الأول بمواجهة منتخب هايتي، يوم الأربعاء الرابع والعشرين من يونيو (حزيران) 2026. وتحتضن الأرضية الاصطناعية لـملعب مرسيدس بنز في أتلانتا بجورجيا هذا اللقاء الحاسم. وتنطلق المباراة أيضاً في التوقيت الموحد للأسود وهو الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت المغرب. 

رغم أن الحسابات الورقية تصب في مصلحة رفاق أشرف حكيمي، فإن بطولة ممتدة بـ48 منتخباً لا تعترف بالترشيحات المسبقة. الأسلوب المتوقع للمغرب في هذه المواجهة سيكون هجومياً بحتاً، مع الاعتماد على الكثافة العددية في مناطق الخصم والضغط العالي المبكر لتجنب أي مفاجآت قد تعقد حسابات العبور إلى دور الـ32 الإقصائي.