سوسن الأبطح
صحافية لبنانية، وأستاذة جامعية. عملت في العديد من المطبوعات، قبل أن تنضم إلى أسرة «الشرق الأوسط» بدءاً من عام 1988، كمراسلة ثقافية من باريس، ثم التحقت بمكتب الجريدة في بيروت عند افتتاحه عام 1995. تكتب بشكل رئيسي في المجال الثقافي والنقدي. حائزة درجة الدكتورة في «الفكر الإسلامي» من جامعة «السوربون الثالثة». أستاذة في «الجامعة اللبنانية»، قسم اللغة العربية، عام 2001، ولها دراسات وأبحاث عدة، في المجالين الأدبي والفكري.
TT

أوقفوا العسكرة!!

استمع إلى المقالة

العام الماضي صرف العالم 2887 تريليون دولار على التسلح، حسب دراسة لـ«معهد ستوكهولم لأبحاث السلام». مبلغ خيالي، يزيدك إحساساً بالأسى، لأنه ارتفاع سنوي متواصل منذ أكثر من عقد، والأعوام المقبلة ستكون أشد ضراوة على الميزانيات المنهكة بالديون. على رأس لائحة المتسلحين الكبار أميركا والصين وروسيا. المستجد هي شهية أوروبية غير مسبوقة، بفعل الخوف من روسيا بعد حرب أوكرانيا، وتراجع المظلة الأميركية الأمنية، مع تصاعد العنف في العالم.

لا شيء يمكن أن يقنع الأوروبيين أن روسيا العالقة منذ أربع سنوات في أوكرانيا، ليست بحاجة إلى مزيد من القتلى، وأن مساحتها الشاسعة البالغة 17 مليون كيلومتر مربع مع ديموغرافيا لا تتعدى 144 مليون نسمة، لا تسمح لها بغزوات مغامراتية مثل التي يتخوفونها.

ومع ذلك، فإن التجييش الإعلامي في أوروبا متواصل. قفز الإنفاق الدفاعي في القارة رداً على ما يعتبر تهديدات روسية ليصل إلى 864 مليار دولار، مع التذكير أنها دول في غالبيتها ذات مديونيات قياسية، فرنسا بنحو 3.6 تريليون يورو، وهو ما يمثل 118 في المائة من الناتج المحلي فيما تقترب ديون ألمانيا من ثلاثة تريليونات يورو.

وفي نوع من التعويض عن الكساد، بعد تراجع الطلب على السيارات الألمانية التي كانت مشتهى العالم أجمع، بدأت ألمانيا تحويل مصانع سياراتها إلى إنتاج المعدات الدفاعية، إنقاذاً لمئات آلاف الوظائف، وسنداً لأوروبا الباحثة عن استقلالية صناعية للحروب. لكنه انقلاب جذري ومؤسف، ينقل ألمانيا بسمعتها الصناعية البراقة، من دور المنتج لأدوات الرفاه والازدهار إلى مورّد لمعدات القتل والدمار، والأمر ليس واحداً.

مواطنون أوروبيون بدأوا بتشكيل حركة اعتراضية من مئات وآلاف الجمعيات، وبناء منصة تحمل نداء: «أوقفوا العسكرة». هناك من يتهم السلطات بتخويف الناس، ورمي الرعب في القلوب، للتغطية على الفساد السياسي، ودعم لوبيات السلاح، وتخفيض الخدمات الصحية والاجتماعية والمعاشات التقاعدية، بحجة تقوية الجيوش وبناء القدرات العسكرية وحماية البلاد، متهمين حكوماتهم بأنها ترسل طائرات مسيرة على أنها من روسيا لتقنعهم بتهديداتها.

والحركة الاعتراضية الشعبية تفهم، لأن في أوروبا المتعطشة للتسلح 808 ملايين شخص يعيشون في فقر مدقع حسب الأمم المتحدة. والجوع في العالم يتعاظم كلما امتدت ألسنة الحروب. مؤشرات الفاقة في بلدان الاتحاد الأوروبي وصلت إلى مستويات قياسية ومع ذلك لا يعِد المسؤولون بإيجاد حلول مقنعة أو إيجاد مخارج تبعث على الأمل.

أما بوتين نفسه، فيتهم القادة الأوروبيين بالاستفادة من بعبع روسيا للتغطية على فشلهم الداخلي أمام شعوبهم. وبين أخذ ورد لا يتغير الكثير، وكل ماضٍ في بناء ترسانته التي يريدها الأضخم والأكثر فتكاً.

أميركا استنزفت ترسانتها في أوكرانيا وإيران وغزة ولبنان، وتعاني شحّاً استدعى من الرئيس دونالد ترمب تفعيل قانون «الإنتاج الدفاعي» لتوسيع وتسريع عجلة التصنيع، وسد النقص بسبب الحاجات المتصاعدة. والصين تعلن عن تشكيل أكبر جيش في تاريخها الحديث، بحلول عام 2049، معتمدة على تفوقها في الذكاء الاصطناعي، وحذقها الابتكاري. واليابان وكوريا الجنوبية كما الشمالية ليستا متأخرتين عن الركب.

بعد انتهاء الحرب الباردة، ظنت أوروبا أنها ودّعت الحروب إلى الأبد، صبّت اهتمامها على الرخاء، وتدليل المواطن، والسخاء في التقديمات، لكن المهماز الأوكراني أخرج العفريت من القمقم. وتكاد القارة لشدة حماستها للاستعداد للحرب، أن تقود قاطرة العسكرة العالمية. فإذا كانت أوروبا نموذج السلام والاستقرار ترتجف، وبدأت بتهيئة مواطنيها للتجنيد الإجباري، وبناء الملاجئ، وتحضير مخزونات الأغذية، فما هو حال الأمم المكتوية بنيران الحروب. حتى دول مثل السويد وفنلندا والنرويج، عرفت بانتحار سكانها لشدة الهدوء وبلادة الروتين، ترفع إنفاقها الدفاعي، لقربها من روسيا. فماذا عنّا نحن؟

يشبّه البعض هذا النهم إلى التسلح، بما سبق الحرب العالمية الأولى في مطلع القرن العشرين من حماسة للقتال.

ألمانيا بنت أسطولاً بحرياً ضخماً لمنافسة بريطانيا، فردّت بريطانيا ببناء سفن أحدث، فيما فرنسا وروسيا وسّعتا جيوشهما البرية. وبدلاً من تجنب التصادم، بدا وكأن الجميع ينتظر حدوثه. تحولت حادثة، كان يمكن أن تبقى هامشية مثل اغتيال ولي عهد النمسا فرانز فرديناند إلى كارثة عالمية بسبب شبكة التحالفات العسكرية.

بعد أن هاجمت النمسا صربيا، تحركت روسيا للدفاع عن الأخيرة، وأعلنت ألمانيا الحرب على روسيا التي كانت متحالفة مع فرنسا. واجتاحت ألمانيا بلجيكا. وفي لمح البصر تحولت حادثة اغتيال إلى حرب عالمية فتاكة دامت أربع سنوات.

بناء الترسانات يتم على حساب الطبقات الأكثر فقراً في المجتمعات على اختلافها، وبحرمان الأضعف من حقوقه في الطبابة والتعليم وحتى في الغذاء أحياناً.

المخاوف تصبح أكبر حين يعتبر كل طرف أنه ضحى وبنى وأنتج أفضل الأسلحة وأشدها فتكاً، ليشارك في مبارزة تليق بها وبأصحابها، لا كي تبقى في مخازنها وتذوي بسبب الرطوبة والانتظار الذي لا يأتي.