جمال الكشكي
رئيس تحرير مجلة «الأهرام العربي». عضو مجلس إدارة مؤسسة الأهرام. عضو مجلس أمناء الحوار الوطني. عضو لجنة تحكيم جائزة الصحافة العربية. عمل مذيعاً وقدم برامج في عدة قنوات تليفزيونية.
TT

السيولة السياسية... والهامش الذي يضيق

استمع إلى المقالة

الكاتب السياسي بات أشبه بمعلق مباراة كرة قدم مشتعلة، يلهث مع اللاعبين نفَساً بنفَس، لا يكاد يجد فرصة لالتقاط الأنفاس، يلهث وراء أحداث متسارعة تهدد المجتمع الدولي من أساسه التشريعي والقانوني، كلما أراد أن يتوقف عند ظاهرة يريد أن يحلِّلها، تطالعه أخرى تطغى عليها، وتغرقها في طوفان الأخبار.

يتساءل: هل يكتب عما جرى في غزة؟ أم عن لبنان المختطَف؟ أم عن مأساة السودان؟ أم عن أوكرانيا وروسيا الشقيقتين؟ أم عن مضيق هرمز والعبث بالممرات الدولية؟ أم عن «أرض الصومال»، واقتطاعها من الصومال الأم، كخميرة قاتلة لكل دول القرن الأفريقي؟ أم يتناول بالتأمل حروب الاستنزاف المشتعلة في قلب الشرق الأوسط بين كتل غير عربية؟

يبدو الأمر محيراً حقاً، فتناول هذه الأحداث المتسارعة أشبه بمن يمسك سلكاً كهربائياً عارياً بيد مرتجفة، والمشكلة ليست في مهارة الكاتب ولا أدواته، ولكنها تكمن في ضراوة المرحلة التي باتت أشبه بسيل جارف ينهمر على أرض رخوة، فيضيق هامش التأمل، ويصعب الخروج برؤية تحاكي الواقع المتغير.

لا شك في أن ثمانين عاماً تسدل ستارها الآن، تنتهي معها المنظومة التي أفرزتها الحرب العالمية الثانية: دور الأمم المتحدة يتلاشى، والقانون الدولي يمزَّق على الملأ، والتحالفات التي نسجتها تلك الحرب تتهشم الواحد تلو الآخر، والعالم يتباعد ثم يتصادم في جنون.

ولنضرب أمثلة حية: لماذا تتواصل حرب روسيا وأوكرانيا على أطراف أوروبا، القارة العجوز التي اعتقدت أن الحروب الكبرى انتهت فوق أراضيها إلى غير رجعة؟ ولماذا يتجاوز الطرفان كل القرارات الأممية ويعتمدان على منطق القوة الغاشم؟ ثم هناك الحوثيون الذين أحكموا قبضتهم على أجزاء واسعة من البحر الأحمر، يضربون الملاحة الدولية بطائرات مُسيَّرة وصواريخ، في تأكيد على أن قانون البحار الدولي لم يعد تخشاه الميليشيات، وأن لعبتها تخطت الحدود، فحين تختطف جماعة مسلحة دولة بأكملها، وتتحدى النظام العالمي، وتربك الاقتصاد الدولي بتهديد باب المندب لصالح قوة غير عربية، يتلاشى الردع الذي صاغته القوانين الدولية.

أما السودان فالقتال فيه يدور فوق جثث المدنيين منذ ما يقرب من أربعة أعوام، والمجتمع الدولي يتفرج. وما يحدث في السودان نموذج مصغر لما آلت إليه العلاقات الدولية: قوى كبرى تتفرج، وأخرى تراهن على الفوضى الخلَّاقة، وشعب يدفع الثمن وحده، وكأن العالم كله أصبح ميداناً واسعاً لتجارب قاسية، لم يعد فيها لأخلاق السياسة أي وزن.

وأخطر ما في هذا المشهد أن ثمة جماعات وكيانات وأشباه دول باتت تمتلك مخططات جاهزة لتوسيع الحروب، وإعادة رسم الخرائط، وتصرِّح بنواياها من دون مواربة: تارة تعلن السيطرة على ممرات بحرية، وتارة تجاهر بالاستيلاء على ثروات دول أخرى، وأحياناً تهدد دولاً ليس لها ذنب في النزاع الدائر، كأنَّ حمى سياسية أصابت العالم، فجعلت قادته الأقوياء يتكلمون بمنطق الغنيمة القديم.

هل يمكن الخروج من هذا المأزق؟ الخروج ممكن، ولكنه يستلزم الاعتراف أولاً بأن منظومة ما بعد 1945 لم تعد قادرة على استيعاب عالم 2026. فمجلس الأمن الذي يمنح حق النقض لخمس دول بات أداة للتعطيل، والمطلوب إما إصلاح هيكلي جذري، وإما بناء تكتلات إقليمية بديلة قادرة على فرض الحد الأدنى من قواعد الاشتباك، والأهم من ذلك كله أن تُثبت الدول الكبرى أنها غير مستثناة من أحكام القانون الدولي؛ لأن إفلات الكبير من العقاب هو ما يشجع الصغير على الانتهاك، والمفارقة المُرَّة أن الدول التي صاغت هذا القانون باتت أول من يتجاوزه.

في غياب الشرعية سنظل ندور في حلقة مفرغة، فهل نحن أمام حاجة فعلية إلى مؤتمر دولي يعيد ترتيب العالم من جديد؟ وهل يمكن أن تكون هناك على الأقل مؤتمرات، أو مبادرات إقليمية، قادرة على حماية مقدرات الأمم من السيولة السياسية؟

في ظني، لا يوجد حل آخر.