لبَّى سلامة دعوة شقيقته لحضور اجتماع عائلي. انتهز فرصة وجود جميع أفراد الأسرة وصارحهم بالسرّ الذي يعذبّه. قال للحاضرين دون أن ينظر إليهم، إنه يشعر بالتعب منذ فترة، وروحه تغمّ عليه كأنه حامل.
سلامة هو بطل رواية «شيء إلهي» للكاتب المصري محمد عبد النبي. صدرت عن «دار المحروسة» هذا العام. و«الشيء» المقصود هو الجنين الذي بدأ ينمو في أحشاء البطل. إنه يشعر بكل أعراض الحمل. الدوخة. الغثيان. القيء. النفور من روائح معينة والانتفاخ التدريجيّ للبطن. كيف سيتصرّف ويواجه المجتمع؟ وسلامة رجل بسيط يمشي جنب الحائط. لم يتزوج ويقيم وحيداً بعد زواج شقيقاته الثلاث. يشتغل عامل نظافة في أحد المصارف. لا علاقات عاطفية في حياته. تسليته الوحيدة في أمسيات التلفزيون.
أن يحمل الرجل مثل النساء فكرة قديمة. شاهدناها في أفلام عربية كوميدية وفي أفلام غربية. في عام 1973 أدى مارشيلو ماستروياني دور موظف يعيش سعيداً مع زوجته. يصاب بوعكة ويذهب لطبيب العائلة الذي ينصحه بمراجعة طبيب نساء. تبيّن أنه حامل في شهره الرابع. عنوان الفيلم «الحدث الأهم منذ أن سار الإنسان على القمر». وبعد خمس سنوات تكرر الموضوع في فيلم أميركي بعنوان «فحص الأرنب»، قام فيه الممثل بيلي كريستال بدور الرجل الحامل. ثم في فيلم ثالث.
رواية محمد عبد النبي مشغولة بمهارة. مكتوبة بروح خفيفة تستخرج الهزل من المأساة. لغة سلسة تجيد تقريب العامية من الفصحى. تفاصيل صغيرة وشخصيات تحضر وتمرّ مرور الكرام. لا تزحم السرد. وهناك ذلك «الشيء» النامي في رحم البطل. يتكلم معه بصوت لا يسمعه غيره. جنين واسع المعرفة. يناقش سلامة ويشرح له المعلومات التي يجهلها. تخيّل أنك تحمل «غوغل» في كرشك. لكن سلامة مشغول بالأسئلة. كيف سيخرج ذلك الكائن من جوفه؟ وإذا خرج فكيف يرضعه؟ وباسم من يكتبه؟ ومن يكون أباه ومن أمّه؟ إنه يخشى الفضيحة. مثل البنات. يبحث عمن يساعده في التخلص من حمله.
يذهب إلى «مركز الحياة السعيدة». مستشفى متخصص في الخصوبة. يدرك الدكتور مختار، مدير المركز، أنه وقع على كنز نادر. تسوّل له نفسه أن يستثمر ورطة هذا الذكر الحامل. سيسبق الغرب في أبحاثه ويفوز بشهرة عالمية. مصر أولى بهذه المعجزة. يوضع سلامة في مكان سرّي ويحاط بالرعاية والدلال. ممرضة تدلّك له قدميه. ولن يدفع قرشاً. سيحين موعد الولادة وتتفاجأ الأوساط العالمية بالخبر. مثل النعجة دوللي. هل يخفى سرّ على الأميركان؟
مائة واثنتان وثمانون صفحة تجافي الملل. صوت الراوي خافت النبرة. بسيط بذكاء وعميق بإمتاع. أتذكر ندوة أدبية عُقدت في باريس حضرها أبرز الروائيين العرب. تحدثوا في كل ما يخص هذا الفن. وفي الختام وقف الروائي اللبناني رشيد الضعيف ونبّه الحاضرين إلى أمر لم يلتفتوا إليه. متعة المطالعة. ليس عيباً أن تتسلّى وأنت تقرأ نصاً إبداعياً. لا أن تتلقى مائة جلدة.
