لعلَّ واحدةً من أكثر النتائج وضوحاً للحرب الأخيرة في الشرق الأوسط، أنَّها وسَّعت من حجم الصَّدع في جدار العلاقات الأميركية - الأوروبية. آخر التطورات يؤكد ذلك حسبما تابعنا في وسائل الإعلام؛ من خلال قرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب، سحب 5000 عسكري أميركي من ألمانيا. يوم الجمعة الماضي، أصدرت وزارة الحرب الأميركية بياناً تؤكد فيه نيتَها سحبَ الجنود. الرئيس الأميركي في تصريحات أدلى بها مؤخراً لوسائل الإعلام، أكَّد أنَّ العدد سيكون أكبر. كما أشار إلى أنَّ عملية سحب الجنود الأميركيين قد تطول إسبانيا وإيطاليا.
الخلفية وراء القرار الرئاسي الأميركي جاءت بعد كلمة ألقاها الممستشار الألماني فريدريش ميرتس في مدرسة ثانوية بغرب ألمانيا، انتقد فيها الاستراتيجية الأميركية في الحرب ضد إيران. الرّد الأميركي جاء سريعاً على لسان الرئيس ترمب، وكالعادة من خارج المعجم الدبلوماسي، ومرفوقاً بقرار سحب العساكر الأميركيين من ألمانيا. ردّ الفعل الألماني كان هادئاً، وجاء على لسان وزير الدفاع بتأكيده ضرورة اهتمام أوروبا منذ الآن وصاعداً، بالدفاع عن نفسها؛ فهل بدأت واشنطن تفكيكَ ارتباطها التاريخي بالحليف الأوروبي؟
بيان وزارة الحرب الأميركية قال إنَّ عدد العسكريين الذين سيتم سحبهم، لا يتجاوز نسبة 15 في المائة من عدد إجمالي يبلغ 38 ألف عسكري. وفي محاولة ترضية لم تجد قبولاً، زار المستشار الألماني أحد معسكرات الجيش الألماني، وألقى كلمة عبّر فيها عن امتنانه وحبّه لوجود القوات الأميركية في ألمانيا. إلا أنَّ كلماته لم تجد آذاناً مصغية في واشنطن.
الخطوة الأميركية الهادفة إلى سحب جزء من القوات في ألمانيا كما هو متوقع، لم تجد ترحيباً من دول أوروبا، وهو متوقع؛ بل قوبلت بانتقاد حتى من بعض شخصيات الحزب الجمهوري الأميركي، كونها تفضي، حسب قولهم، إلى تقليص قوة حلف «الناتو». وسائل الإعلام البريطانية ذكرت أنَّ المسؤولين الأوروبيين في انتظار إصدار وزارة الحرب الأميركية ما يسمى «مراجعة التموضع العالمي»، التي ستقرر مستقبل القوات الأميركية في أوروبا.
التوجه «الترمبي» لخفض أعداد القوات الأميركية في أوروبا ليس وليدَ اليوم، أو نتيجة التصريحات الانتقادية للمستشار الألماني، كما قد يظنّ البعض؛ بل يعود إلى فترة ولاية الرئيس ترمب الأولى في عام 2017، حين أعلن عزمَه سحب نحو 12 ألف عسكري أميركي من ألمانيا. إلا أنَّ قرار الكونغرس آنذاك برفض السحب حال دون التنفيذ، وحين وصل الرئيس جو بايدن إلى الحكم ألغاه. وزادَ من عدد القوات الأميركية في بولندا ودول البلطيق.
التقارير الإعلامية ذكرت أنَّ عدد القوات الأميركية في أوروبا يقارب 80 ألف عسكري، وأنَّ العدد الأكبر منهم موجود في قاعدة رامشتاين جنوب ألمانيا، وهي قاعدة عسكرية مهمة للعمليات العسكرية الأميركية في الشرق الأوسط، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. كما يوجد في ألمانيا أكبر مستشفى أميركي بأوروبا لعلاج الجنود الأميركيين، علماً بأنَّ الإدارة الأميركية لا تدفع إيجارات عن القواعد العسكرية، وتتكفَّل الحكومة الألمانية بدفع رواتب الموظفين المدنيين العاملين بها. الأمر الذي يؤكد أنَّ وجود القواعد العسكرية الأميركية لا يشكل عبئاً مالياً على أميركا كما يُزعم، بقدر ما يعدُّ شراكة تسهم فيها ألمانيا بشكل مباشر.
الجدير بالإشارة أنَّ ألمانيا، على عكس إسبانيا وبريطانيا وإيطاليا، وقفت إلى جانب أميركا في الحرب الأخيرة. واستناداً إلى تقارير إعلامية، قدمت مساعدات لوجستية، ولم تمنع القوات الأميركية المشاركة في الحرب من استخدام قواعدها العسكرية. وقام المستشار الألماني ميرتس بزيارتين إلى واشنطن. أضف إلى ذلك أنَّ ألمانيا حظيت برضا واشنطن من خلال سعيها إلى زيادة ميزانيتها الدفاعية بشكل كبير في اتساق مع مطالب الرئيس الأميركي من الدول الأعضاء في حلف «الناتو». إلا أنَّ كل تلك المساعي لم تحل بين واشنطن وتنفيذ القرار؛ فهل ستنقل واشنطن تلك القوات إلى مكان آخر في أوروبا؟ أم تعيدها إلى أميركا؟ العودة إلى أميركا تتطلَّب موافقة من الكونغرس، كما تتطلب إيجاد قاعدة لاستيعاب الجنود وإقامة عائلاتهم.
يبدو أنَّ العلاقات الأميركية - الأوروبية تقف اليوم عند مفترق طرق تاريخي؛ فبينما تحاول حكومات العواصم الأوروبية الحفاظ على شعرة معاوية مع واشنطن عبر تقديم التنازلات وزيادة الإنفاق الدفاعي، تواصل الإدارة الأميركية المضي قدماً في إعادة صياغة أولوياتها العالمية. وعلى هذا الأساس، فإنَّ قرار سحب القوات الأميركية ليس مجرد إجراء عسكري، كما يبدو في ظاهره؛ بل هو رسالة سياسية تعكس تحولاً في مفهوم «المظلة الأمنية» الأطلسية، مما يضع القارة الأوروبية أمام تحدٍّ وجودي لتعزيز استقلاليتها الدفاعية في ظل مشهد دولي تزداد فيه الفجوة اتّساعاً بين الحلفاء القدامى.
