سمير عطا الله
كاتب عربي من لبنان، بدأ العمل في جريدة «النهار»، ويكتب عموده اليومي في صحيفة «الشرق الأوسط» منذ 1987. أمضى نحو أربعة عقود في باريس ولندن وأميركا الشمالية. له مؤلفات في الرواية والتاريخ والسفر؛ منها «قافلة الحبر» و«جنرالات الشرق» و«يمنى» و«ليلة رأس السنة في جزيرة دوس سانتوس».
TT

من ديار السعادة

استمع إلى المقالة

آخر أخبار و«صور» الاعتزاز القادمة من الديار الحوثية تعرض مشاهد من مدارس القتال لأطفال في حوالي العاشرة من أعمارهم. أطفال في الأثواب التقليدية، أي شبه عراة، شبه جائعين، شبه أميين. وأمامهم فرصة عز واحدة: مقاتلة أبناء القبيلة الأخرى.

إلى أين يذهب أطفال اليمن شبه العراة، للقتال؟ ليس إلى القدس. هذا جيش عربي فتي مغوار وليس ذاهباً إلى القدس. ليس الآن على الأقل. الآن، القدس مهمة وأمانة «الحرس الثوري». شمخاني والرفاق.

في مثل هذه السن، يرسل الأطفال حول العالم، لتعلم العلم. للبحث عن مستقبل شبيه بمستقبل أطفال العالم، كأن يصبحوا أطباء أو مهندسين أو زراعيين، أما أن يكون الدرس الأول والأخير حمل السلاح، فمن أجل أي جيل وأي دولة وأي وطن؟

في المبدأ، الانتماء إلى الجيش الوطني شرف وقوة. سويسرا تفرض على أهلها التدريب العسكري حتى الخمسين، لكن ذلك إضافة وليس ضد جميع أنواع العلوم. ومن دون أن يخوضوا أي حرب أخرى. ومن دون أن يمروا بالحياة من دون أن يمروا بقراءة كتاب في العلوم كالتي يمر بها أبناء البشر جميعاً.

مشهد الأطفال المقاتلين ليس للاعتزاز. منذ أفقنا على هذه الدنيا والصور القادمة من اليمن صور قتال وجبال وجنود بلا بزة عسكرية، مثل إنكشارية الإمبراطورية العثمانية في أواخر أيامها. أضاع اليمن كل تلك العقود في السلاح، فماذا كانت الحصيلة غير هذه المشاهد من الفقر والتخلف والحروب التي لا نهاية لها؟

نحن في بداية الربع الثاني من القرن الحادي والعشرين. الجيوش لها مدارس حربية يدخلها الشبان بعد إتمام اللزوميات من العلوم. وتحمل هذه المدارس عادة أسماء ضباط وقادة ذوي بطولات. عندها يصبح هؤلاء مقام اعتزاز تنشر صورهم في صحف البلاد. أما صور الأطفال المجندين ورشاشاتهم فهي للماضي، للقرون الوسطى. وإذا أعطي الشعب اليمني فسحة من الزمن والحياة الطبيعية، فسوف يباهي كما تباهى الفرزدق:

أولئكَ آبائِي فجئني بمثلهم

إذَا جمعتنا يا جريرُ المجامعُ