لا يخفى على القارئ الكريم ما تمر به المنطقة العربية من أحداث متسارعة. كان الانفجار السوري، بدءاً من الثامن من ديسمبر (كانون الأول) 2024 وسقوط نظام بشار الأسد، يمثل من ناحيةٍ ذروة ما حدث في الإقليم العربي من أحداث ما سُمي «الربيع العربي» قبل عقد ونصف العقد، ومن ناحيةٍ أخرى تتويجاً لسلسلة الأحداث الإقليمية التي أعقبت «طوفان الأقصى» في 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023 وما تلاها من حرب «الغضب الملحمي» التي زمجرت في منطقتنا ناراً ولهيباً حتى لحظة كتابة المقال. ما بين هذه الوقائع الصارخة سلسلة من المشاريع «الشرق أوسطية» التي تسعى فيها قوى خارج الإقليم، وخصوصاً الولايات المتحدة، وأخرى على أطراف الإقليم (إسرائيل، وإيران، وتركيا)، من أجل «الهندسة السياسية» لإقليم الشرق الأوسط، بما يحقق أهدافها الاستراتيجية في المنطقة. هذا الأمر يستدعي التفكير الجدي في مشروع عربي إقليمي يراعي المصالح الوطنية والقومية للمنطقة العربية. فما هو ثابت من التاريخ المعاصر أن المشاريع الخارجية عن الإقليم تنتهي دائماً إلى قدر كبير من العنف بأشكاله المختلفة من حروب وإرهاب، وبات على الدول العربية التي اختارت طريق الدولة الوطنية أن تتقدم بمشروع عربي ينقذ المنطقة، ويضعها على أبواب الإصلاح والاستقرار والسلام الذي يعينها على دخول صفوف العالم المتقدم.
لكن وسط الغيوم والضباب لا ينبغي تجاهل الواقع المتغير سلبياً في المحيط «الجيو-سياسي» و«الجيو-استراتيجي» العربي. فالحقيقة هي أنه منذ «الربيع العربي» فإن العالم العربي تغير هو الآخر، فما كان قائماً من قبل حتى العقد الثاني من القرن الحالي لم يعد مناسباً لمقتضى العصر الذي نعيش فيه.
ورغم أن ذاك «الربيع» خلق أوضاعاً عنيفة في دول عربية، فإن حزمة غير قليلة من الدول العربية دخلت إلى صلب الأوضاع العربية المتردية من خلال مبادرات شجاعة لإصلاح أوضاع معوجّة آيديولوجياً وغير صالحة للعصر الحديث. مشروع الإصلاح العربي الوليد يعتمد أولاً على ضرورة وجود الهوية الوطنية التي تقود إلى دولة جميع المواطنين وليس دولة أقلية شرسة أو أغلبية طاغية؛ وهي دولة تحتكر شرعية السياسة والسلاح معاً. وثانياً يقوم على الحداثة التي تتطلب اختراق إقليم الدولة بالمشاريع العملاقة، وأدوات الاتصالات والمواصلات الحديثة، معتمداً في ذلك على تعبئة موارد الدولة غير المستغلة. وثالثاً أنها دولة تعتمد على قاعدة المشاركة في العصر الذي نصبو إليه ويتطلب كثيراً من الشباب وما هو أكثر من العلم.
ورغم التاريخ السلبي للمشاريع العربية الإقليمية فإن هناك حاجة ماسة إلى مشروع جديد، أولاً لأن هناك مشاريع أخرى تُهدد الأمن القومي للدولة العربية؛ فرادى ومجتمعة، وتذرف فيها دموع ودماء.
وثانياً لأن دوافع المشروع ليست فقط أمنية تتعلق بالتهديدات الإقليمية والعالمية، وإنما أيضاً لأنه بالنسبة إلى الدول العربية التي اختارت طريق الدولة الوطنية التي تركز على البناء والتنمية، فإنها تحتاج بشدة إلى أسواق واسعة. الأمن والتقدم إذن هما الهدف من البحث عن مشروع عربي يسير فيه الراغبون والقادرون والذين لديهم مصلحة وطنية في الاقتراب من عرب آخرين لديهم الرغبة ذاتها، والدافع، والمصلحة. وخلال العامين الأخيرين من حرب غزة وتوابعها الإقليمية، وما قبلها من نتائج «الربيع العربي» التي أفرزت نوعين من الدول العربية: دول الحروب الأهلية ونزاعات الطوائف والمذاهب والقبائل، ودول البناء والتنمية والوحدة الوطنية الساعية إلى دخول العصر الذي نعيشه والمنافسة فيه، فإن النوعية الأولى تسبب حالة من عدم الاستقرار الإقليمي البالغ الضرر لجميع المنطقة العربية، والنوعية الأخرى تحتاج إلى أسواق واسعة تتلاءم مع طاقاتها الاقتصادية المتنامية. هي مجموعة الدول التي تضم دول مجلس التعاون الخليجي الست وكلاً من مصر والأردن والمغرب والجزائر وتونس.
هذه المجموعة سوف تكون مفتوحة لمن يقبل أساسيات الدولة الوطنية وسعيها للحاق بالعالم المعاصر. هذه الدول خلال السنوات العشر الأخيرة حققت الكثير في دفع هويتها، واختراق إقليمها، واستيعاب شبابها، وتعبئة ثرواتها.
وفي تاريخنا الحديث فإن المشروع لا يكون كذلك إلا إذا تناول ثلاثة مواضيع تتصدر جدول الأعمال: أولها، كيف نسهم في استكمال بقية الدول العربية هويتها الوطنية وتحقيق وحدة السلاح؟ وثانيها، كيف نتعامل مع دول الجوار الجغرافي في إطارات للتعاون والسلام والأمن الذي يحقق الاستقرار الإقليمي؟ وثالثها، «القضية الفلسطينية» و«المسألة الإسرائيلية» اللتان حكمتا التاريخ العربي المعاصر على أساس من حل الدولتين. التعامل مع كل ذلك لا يحدث من دولة عربية واحدة، وإنما من خلال منظومة نابضة بالحيوية والقوة والقدرة.
