ميرزا الخويلدي
كاتب و صحفي سعودي
TT

الخليج... «محيطٌ في قطرة»

استمع إلى المقالة

كأن جلال الدين الرومي، يخاطبُ أهلَ الخليج، في ظلّ الأزمة العاصفة التي تضطرمُ في الأجواء، كاشفاً عن أهمية هذه البقعة من الأرض، ومدى تأثيرها: «أنت لست قطرة في محيط، أنت المحيط بأكمله في قطرة»، في إشارةٍ إلى أن هذا الحيّز من الجغرافيا، مهما صغر حجمه، يظل المحرك المحوري الذي يفيضُ تأثيره على العالم أجمع. تكتسب عبارة الرومي بُعداً واقعياً يتجاوز الروحانيات، ففي قلب الأزمات، يتجلى أن هذه المنطقة ليست مجرد «طرفٍ» في معادلة دولية، بل هي «النواة» التي يرتدُّ أثرُ سكونها أو اضطرابها على المنظومة العالمية بأكملها.

كان العالم واعياً إلى أن منطقة الخليج العربي، ثرية، وتمتلك جزءاً كبيراً من مصادر الطاقة العالمية، لكن البعض كان ميّالاً لفكرة التحرر مما يسميه «أسر» الطاقة «الأحفورية»، والبحث عن بدائل، لكن هذه الحرب دللت على المكانة الراسخة لدول الخليج في العالم أجمع، وأثبتت أن تأثير هذه الدول في العالم لا يحسب بارتفاع أسعار الوقود، بل يصل إلى عمق المنظومات المعيشية والسياسية والتقنية، وهو ما يجسّد فعلياً فكرة «المحيط في قطرة»، التي قالها «مولانا» جلال الدين.

في عام 1963 ابتكر العالم الأميركي إدوارد لورينز، فكرة «أثر الفراشة»، كنظرية فيزيائية، لكن سرعان ما انتقلت للعلوم السياسية، وتعني هذه النظرية أن رفرفة جناح فراشة في الصين قد تسبب إعصاراً في تكساس. تجسد هذه الفكرة مفهوم أن الدول متشابكة بشكل عضوي، وأن العالم اليوم يشبه الرقائق الإلكترونية الحساسة؛ أي خدش في طرف واحدة منها قد يعطل النظام بأكمله.

كانوا يقولون: «إذا عطست أميركا، أصيب العالم بالزكام»، وهذا صحيح! لأن الولايات المتحدة هي القوة المهيمنة في الاقتصاد والسياسة؛ ولذلك فهي تفرض إيقاعها على الجميع، وأي وعكة تصيبها تتحول وباءً عالمياً، لكن هذه الأزمة أثبتت فعلياً أن الخليج لا يمكن الاستغناء عنه، بل لا يمكن تحمل العيش من دونه.

في ظل هذه الأزمة، أعاد الخليج رسم ملامحه من جديد، فهو ليس مخزناً للطاقة فحسب، بل هو «عنق الزجاجة» للتجارة العالمية، وبمجرد حدوث أي اضطراب في إمدادات الطاقة أو في ممرات الملاحة في الخليج، حدثت حالة من «الارتباك العالمي»، رغم أن الحرب لم تتجاوز أربعين يوماً والأزمة برمتها ما زالت قصيرة الأجل. وأدى الارتفاع الفوري في أسعار الهيدروكربونات إلى موجة غلاء في أوروبا وأميركا وآسيا، حيث ترتبط أسعار كل شيء (من رغيف الخبز إلى تذاكر الطيران) بتكلفة الطاقة والشحن.

لا أحد يجادل بأن نقص إمدادات النفط والغاز يمكنه أن يدمّر النظام الصناعي والمعيشي في أجزاء واسعة من الكرة الأرضية، ونشهد كيف يمكن أن تعاني مطارات العالم حالة ارتباك طويل الأجل بسبب تأخير أو تعطيل وصول وقود الطائرات، لكن ماذا عن منتج ثانوي في مجال الصناعة مثل «غاز الهيليوم» وتعدّ قطر ثاني أكبر منتج له عالمياً، حيث لا بديل له في قطاع الطب، وفي صناعة أشباه الموصلات، والألياف البصرية، وحتى تبريد منصات إطلاق الصواريخ والأقمار الاصطناعية.

وثمة شبح مجاعة يلوح في الأفق في بعض البلدان بسبب نقص إمدادات الأسمدة الزراعية، حيث تعدّ منطقة الخليج مركزاً عالمياً لصناعة الأسمدة النيتروجينية واليوريا، وهو ما يعاني منه المزارعون في الهند، والبرازيل، وأفريقيا؛ ما يعني انخفاضاً في إنتاجية المحاصيل مثل: (القمح، والذرة، والصويا). ومن الممكن الحديث عن نقص إمدادات الألمنيوم والبتروكيماويات لأسواق العالم؛ فالألمنيوم، يدخل في صناعة السيارات، والطائرات، وحتى علب الأغذية، وتوقف الإمدادات من الخليج يعني شللاً في خطوط تجميع السيارات في ألمانيا وأميركا، وارتفاعاً في تكاليف البناء والشحن، أما البتروكيماويات، فهي «المادة الخام» لكل شيء حولنا تقريباً: (البلاستيك، المنظفات، الملابس الاصطناعية، والمستلزمات الطبية)، وتعطُّلها يعني انقطاع الشرايين التي تغذي الصناعات التحويلية العالمية.

استيقظ العالم على أهمية دول الخليج في حركة الاقتصاد وانسياب نظام المعيشة في العالم، لكن متى نستيقظُ نحنُ لنعي أهمية دولنا وموقعنا، ونتعامل مع العالم على هذا الأساس، وليس باعتبارنا مجرد طارئين على الثروة أو مخازن للموارد؟

أثبتت هذه الأزمة أن الخليج يمثل «الخيوط الخفية» التي تربط استقرار العالم بسلامة هذه المنطقة، وإذا انقطعت هذه الخيوط، يسقط الهيكل العالمي كله في حالة من الفوضى؛ ما يؤكد رأي جلال الدين الرومي أن الخليج ليس «قطرة»، بل هو «المحيط» الذي يغذي شرايين الحضارة الحديثة.