الوسيط الناجح ليس من يتحدث أكثر، بل من يُفلِح في دفع المتخاصمين إلى الاستماع لما لم يكونوا مستعدين لسماعه. هذه هي بداية المساعي الحميدة في السياسة والتجارة والعلاقات.
ولذلك كانت الوساطة مهمة شائكة ومحرجة، وهذا ما قد يجعل الوسيط مكروهاً بعد أن كان مقدراً جداً. فمن طبيعته أنه ينتزع تنازلات، ويضيّق هوامش التعنت، ويجبر الأطراف على مواجهة ما يتجنبونه. وعليه فإن نجاح الوسيط لا يُقاس بعدد الابتسامات والإطراءات التي يحظى بها، فغضب الطرفين منه قد يعني أنه اقترب من جوهر النزاع.
ليس شرطاً أن يُجلس الوسيط المتخاصمين على طاولة واحدة في البدايات، ولذلك يقوم بما يُسمّى «الوساطة المكوكية»، وهي التنقل من دولة إلى أخرى حتى يُقرِّب وجهات النظر تمهيداً للقائهم وجهاً لوجه أو التوقيع على اتفاق نهائي. هنري كيسنجر كان يتبع الأسلوب نفسه.
ولذلك يحدث كثير من الاتفاقات سراً -أو في الظل- قبل أن تظهر إلى العلن، الأمر الذي يُصعّب على وسائل الإعلام تصديق ما جرى، لأنها كانت مغيّبة عن مراحل الخروج من عنق الزجاجة. بعض المفاوضات مثل الطهي على نار هادئة، فالاستعجال يفسد الطبخة.
قد لا ينجح وسيط في حل معظم المشكلات، لكنه قد ينجح في منع تفاقم الأزمة. وبعضهم يتحول إلى نجوم لروعة دورهم الذي انتهى بنزع فتيل الصراع.
ومن المهم ألا يكون الوسيط منحازاً، ولا يرجو مصلحة، ولذلك من الحكمة إبقاؤه بعيداً عن الصراع الدائر. ومن حماقة الخصم أن يهاجم وسيطاً أو من يُرجى أن تُكتب على يديه انفراجة. الخصوم كُثُر لكنّ الوسطاء المحترفين قلة.
ومن أبجديات الوساطة التركيز على مصالح الطرفين وليس المواقف المتشنجة المعلنة. وهذا ما يطرح مفهوماً مهماً، وهو ما يُعرف بـ«النص التفاوضي الواحد». هذا النص الوحيد الذي يُتَبادَل ويُعَدَّل لوقف التأويلات وسوء الفهم؛ هو نواة للاتفاق النهائي. ومن طبيعة هذه الجولات أنها تدفع الأطراف إلى التنازلات، والتنازل جزء أساسي في أي تفاوض.
ومن الحكمة تجنّب الضغط المفرط على الوسيط، لأنه قد ينتج اتفاقاً هشاً أو فاقداً للشرعية. كما أن اندفاعه السريع نحو الاكتفاء بالتهدئة ونسيان جوهر الخلاف لا يؤدي إلى حل دائم.
بعض الوسطاء يستحقون جائزة نوبل، لأنهم أنهوا حرباً ضروساً، وبعضهم لأنهم «منعوا» حرباً كادت تندلع، إلا أن القاسم المشترك بينهم هو نجاحهم في جعل فكرة التفاوض أمراً ممكناً بعد أن كانت فكرة مستحيلة.
