في بداية الثمانينات، حين بدأت الجامعات الغربية تتبنّى مفاهيم الإدارة الحديثة، رابطةً بين التمويل ومؤشرات الأداء القابلة للقياس، بدأ تحوّل هادئ وعميق في مفهوم وظيفة الجامعة، ولم يعد السؤال يتمحور حول إنتاج المعرفة لذاتها، بل حول قدرة هذه المعرفة على تحقيق أثر اقتصادي ملموس. ومع هذا التحوّل، وجدت العلوم الإنسانية نفسها في موقف دفاعي، لأنها لا تترجم بسهولة إلى عوائد مالية مباشرة. ومع مطلع الألفية، ومع تصاعد النظر إلى التعليم باعتباره سوقاً تنافسية، أو ما يُسمى اصطلاحاً «تسليع التعليم»، بدأت هذه الضغوط تتحول بشكل واضح إلى قرارات واقعية، فأغلقت الأقسام، ودمجت البرامج، وقلّصت أعداد الأكاديميين، وفي العقد الأخير، وتحديداً بين عامي 2014 و2022، تسارعت هذه العملية بشكل واضح؛ حيث شهدت بعض الجامعات إغلاق تخصصات كاملة في اللغات والتاريخ والآثار، وهو ما يطرح عدداً من الأسئلة منها: هل كانت هذه هي الحال في جميع الجامعات الغربية؟ وكيف حُددت القيمة الاقتصادية للعلوم الإنسانية؟ وما علاقة التقنية والذكاء الاصطناعي بالعلوم الإنسانية؟ وما أثر هذه الحركة على الاقتصاد الكلي؟
إجابة عن السؤال الأول، فإن الدول تفاوتت في تقليص العلوم الإنسانية، وذلك حسب أنظمة الدول. ففي الأنظمة التي يغلب عليها منطق السوق، مثل بريطانيا والولايات المتحدة، كان التقليص أكثر حدّة، مدفوعاً بعوامل تتعلق بارتفاع تكاليف التعليم، وتفضيل الطلاب للتخصصات ذات العائد المالي السريع، واعتماد الجامعات على الرسوم بصفتها مصدراً رئيسياً للدخل. أما في معظم أوروبا؛ حيث لا يزال دور الدولة مركزياً في تمويل التعليم، فقد ظهر التراجع بشكل نسبي، عبر انخفاض حصة العلوم الإنسانية دون انهيارها مؤسسياً. وفي فرنسا والدول الإسكندنافية، بقيت هذه التخصصات أكثر استقراراً، بسبب أن فرنسا تُعامل هذه التخصصات بوصفها جزءاً من البنية الثقافية للدولة، لا مجرد مسار مهني، وبسبب ما يُعرف بـ«دولة الرفاه» في الدول الإسكندنافية. ويُظهر هذا التباين بين الدول الغربية أن تقليص أقسام العلوم الإنسانية كان بسبب اختلاف نماذج التمويل وفلسفة دوره، لا بسبب ضعف أو أهمية العلوم الإنسانية.
وقد قُيّمت تخصصات العلوم الإنسانية بذات الأدوات التي صممت لقياس العلوم التطبيقية، التي تعتمد على مؤشرات مثل الإنتاجية المباشرة أو العائد المالي السريع، أو باستخدام الأدوات الأكاديمية، مثل براءات الاختراع وعدد الاقتباسات الأكاديمية. وهذه المقاييس لا تعكس طبيعة العلوم الإنسانية التي تقوم على التراكم الطويل، والتأثير غير المباشر، وإعادة تشكيل الوعي والمؤسسات، ولذلك فقد بدأت الأدبيات العلمية الحديثة في تبني نماذج تقييم بديلة، تُركز على تتبع مسارات الأثر عبر الزمن، ودراسة الحالات، وقياس القيمة من خلال تأثيرها في المجتمع والاقتصاد بشكل غير مباشر، بدلاً من اختزالها في أرقام مالية آنية.
وفي هذا السياق، برز عدد من الدراسات التي أعادت صياغة مفهوم القيمة الاقتصادية للعلوم الإنسانية، ومنها الدراسات التي اعتمد عليها هذا المقال، على سبيل المثال لا الحصر، تقرير «قضية العلوم الإنسانية» الصادر عن معهد الدراسات المتقدمة من كلية لندن الجامعية (UCL) عام 2024، وورقة «العلوم الإنسانية في جامعات القرن الواحد والعشرين» الصادرة عن مركز فكر «فونكاس» الإسباني للدراسات الاقتصادية والاجتماعية، وورقة «تقييم العلوم الإنسانية» الصادرة عن مجلة «الاقتصاد» الأسترالية عام 2019. وقد أكدت هذه الأبحاث وغيرها وجود أثر اقتصادي مباشر للعلوم الإنسانية، ولكنها رفضت اختزاله في الوظائف أو الرواتب، معتبرة أن هذه العلوم تؤدي دوراً حاسماً في دعم الابتكار، وتعزيز تنافسية الشركات، وتطوير الاقتصاد الإبداعي. وأشارت إلى أن خريجي العلوم الإنسانية يتمتعون بمرونة عالية في سوق العمل، وأن مهاراتهم، من التفكير النقدي إلى فهم السلوك، أصبحت مركزية في الاقتصاد المعاصر، والأهم من ذلك أن هذه الأطروحات أوضحت أن العلوم الإنسانية لا تنتج القيمة الاقتصادية بشكل مباشر فحسب، بل تُسهم في تشكيل الشروط التي تُحرك الاقتصاد، من فهم الأسواق، إلى تصميم السياسات، إلى إدارة التعقيد الاجتماعي.وترتبط العلوم الإنسانية بما يُعرف بالاقتصاد الإبداعي والاقتصاد الثقافي، والذي يُمثل اليوم قطاعاً اقتصادياً ضخماً يسهم في الناتج المحلي، ويوفر ملايين الوظائف، وهو ما يضع هذه العلوم في قلب التحوّلات الحديثة، لا على هامشها، وقد فصّل في ذلك الاقتصادي السعودي د. عبد الواحد الحميد في كتابه «الاقتصاد الثقافي» الذي صدر العام الماضي، وربط بينه وبين «رؤية المملكة 2030»، وقد كتبت حينها مقالاً عن الكتاب في هذه الصحيفة الغراء.
وما قد يُبرر فيه تسارع التحول عن العلوم الإنسانية في العقد الأخير، صعود التقنية والذكاء الاصطناعي، والعارف بنمذجة الذكاء الاصطناعي يُدرك أنها تقوم في جوهرها على تحليل اللغة وإنتاج المعنى وفهم السلوك البشري، ومع انتقال الاقتصاد نحو الفضاء الرقمي الذي يعتمد على التفاعل مع السلوكيات بقدر اعتماده على البيانات، أصبح فهم الإنسان شرطاً لنجاح التقنية، وهنا تتجاوز العلوم الإنسانية دورها التقليدي في التفسير، لتصبح جزءاً من عملية التصميم نفسها، من خلال تضمين الاعتبارات الأخلاقية، وفهم السياقات الاجتماعية، وتحليل تجربة المستخدم، وكلما ازدادت الأنظمة التقنية تقعيداً، ازداد احتياجها إلى علوم تُفسر المعنى والسلوك.
وأخيراً، فإن حركة تقليص العلوم الإنسانية في الجامعات تكشف عن مفارقة لافتة، فالاقتصاد العالمي يعتمد على مخرجات هذه العلوم، والعالم تجاوز مرحلة الإنتاج المادي إلى الإنتاج المعرفي، القائم على الإبداع وفهم الإنسان، وفي هذه المنظومة، تتقاطع محاور التعليم بشكل يستحيل فيه فصل بعضها عن بعض، فالعلوم التطبيقية تنتج التقنية، والعلوم الاجتماعية تفسر السلوك، والعلوم الإنسانية تمنح السياق والمعنى، والأخيران يفسران التغييرات الناتجة عن التقنية لإعادة توجيهها بما يخدم البشرية، وفي هذه العلوم تختلف الأمم بعضها عن بعض حسب ثقافاتها، ولذا فإن اختلال توازن هذه المنظومة قد ينتج عنه اختلال الاقتصاد نفسه، ومن هنا، فالسؤال المطروح ليس عن قيمة العلوم الإنسانية، بل عن موقعها داخل معادلة الاقتصاد الكلي العالمي.
