د. ياسر عبد العزيز
كاتب مصري وخبير في مجال الإعلام والاتصال. مدير مكتب«الشرق الأوسط»في القاهرة. عضو مجلس الشيوخ. عمل مستشاراً ومدرباً مع عشرات المؤسسات الإقليمية والدولية.
TT

الحرب في عصر الفيديو القصير!

استمع إلى المقالة

ثمة مشهد لافت يتكرر يومياً بموازاة الحرب الإيرانية الراهنة، التي يُقاسي العالم تداعياتها المؤلمة، وهو مشهد يستوقف المراقب ويدفعه إلى التأمل؛ إذ يُصدر «البيت الأبيض» مقاطع مُعدة بأسلوب الرسوم المتحركة، لشرح نتائج ضربات عسكرية، أو الاحتفاء بها. وفي المقابل، تبث جهات إيرانية فيديوهات مصنوعة بشخصيات لعبة «ليغو»، لتصوير المواجهات الميدانية بلغة بصرية طفولية الشكل، بالغة الحساسية في مضمونها.

إنه زمن باتت فيه «البروباغندا» العسكرية تجترح أشكالاً جديدة، حيث تتسلل إلى العقول من بوابة الترفيه، قبل أن تخترق مراكز الإدراك والوعي السياسي.

لم يكن الإعلام الحربي في يوم من الأيام بريئاً أو محايداً، فمنذ أن حملت المُلصقات صور الجنود المنتصرين في الحربين العالميتين، ومنذ أن بثّت الإذاعات نشراتها المُنقّحة بعناية فوق الخنادق وعبر الأثير، كان التأطير الإعلامي سلاحاً موازياً للمدافع والدبابات. غير أن ما يشهده العالم اليوم يتخطى مجرد التوظيف الكلاسيكي للإعلام في خدمة الحرب، ليدخل في منطقة جديدة تماماً، تتشابك فيها خوارزميات المنصات الرقمية مع ثقافة الأجيال الجديدة ومع استراتيجيات التأثير النفسي، فتنتج مزيجاً غير مسبوق من الحرب الناعمة الممتزجة بجماليات «البوب آرت».

ما الذي يجعل هذا التحول نوعياً لا كمياً فحسب؟ الإجابة تكمن في فهم طبيعة الوسط الاتصالي السائد اليوم. فالمنصات الرقمية الرائجة، من «تيك توك» إلى «إنستغرام» و«إكس»، لا تنقل المحتوى فحسب، بل تعيد تشكيله وفق منطقها الخاص القائم على الجاذبية البصرية والإيجاز الصارم والمشاركة الفورية. وفي هذا المناخ، باتت الآيديولوجيات تتنافس مثلما تتنافس العلامات التجارية، والرسائل السياسية تُقاس بمعيار الانتشار الفيروسي قبل أن تُقاس بمعيار الصدق أو العمق. وهكذا وجدت الجهات المُتحاربة نفسها مضطرة إلى إتقان لغة هذا الوسط أو القبول بالتهميش.

تمتلك هذه الأساليب الجديدة قدرة تأثيرية لا يمكن إنكارها، إذ تُمكّن من اختراق شرائح واسعة من الجمهور لم تكن الرسالة السياسية التقليدية لتصل إليها بسهولة. الشاب الذي يتجاهل نشرة الأخبار لن يتجاهل فيديو «ليغو» يُجسّد معركة بالألوان والموسيقى، والمُتلقي العادي الذي يملّ من الخطاب الرسمي المُثقَل بالمصطلحات المُعقدة قد يُشاهد حتى النهاية رسماً متحركاً يُقدّم له صورة مُبسَّطة عن صراع مرير. هذا الوصول الواسع يعني قدرة أكبر على تشكيل الرأي العام وصناعة الانطباع، وهو ما تسعى إليه كل قوة مُتنازعة على السردية.

بيد أن هذه المزايا تنطوي على أثمان باهظة، تتصل أولاً بمسألة التبسيط المُشوِّه. فحين تُختزل الحرب، بكل ما تنطوي عليه من تعقيد إنساني وكوارث موجعة، في مشاهد كرتونية جذابة، تُمحى في الوقت ذاته الحدود بين الواقعي والمُتخيَّل، وتتلاشى وقائع الموت والدمار خلف الألوان الزاهية، مما يُنتج جمهوراً يُدرك الحرب بوصفها لعبة مثيرة لا فاجعة إنسانية. وهذا التبسيط ليس عيباً إجرائياً قابلاً للإصلاح، بل هو في حالات كثيرة هدف مقصود ومحسوب.

ثم تأتي إشكالية التضليل التي تُعمّق الأزمة أخلاقياً، إذ تُتيح هذه الأساليب توليد مشاهد لم تقع أصلاً، أو تقديم روايات منقوصة في قالب يوحي بالموضوعية والحياد بحكم بُعده الجمالي عن الخطاب الدعائي المباشر. والأخطر أن المُتلقي يُقلّل غريزياً من حساسيته النقدية حين يواجه محتوى يبدو ترفيهياً، فيستقبل الرسالة السياسية بقدر من الأريحية أكبر مما كان سيفعل لو عُرضت عليه بشكلها الإنشائي المعهود.

تكشف هذه الظاهرة عن أزمة عميقة في منظومة الإعلام المعاصر، تتجاوز السياق الحربي لتطرح تساؤلات وجودية حول مستقبل الحقيقة في عصر المنصات. فحين تتبنى جهات رسمية كـ«البيت الأبيض» والنظام الإيراني منطق «المحتوى الفيروسي»، فهي لا تُكيّف أدواتها الإعلامية فحسب، بل تُقر ضمنياً بأن قوة الانتشار باتت تسبق قيمة الدقة والموضوعية في سلّم الأولويات الاتصالية. وهذا إقرار خطير تترتب عليه عواقب تمتد إلى ما هو أبعد من ساحة المعركة.

الحقيقة الجوهرية التي يتعين استيعابها هي أن المعركة على السردية لم تعد تُخاض بمقالات الرأي ونشرات الأخبار وحدها، بل باتت تتشكل في استوديوهات التصميم الرقمي وبين أيدي مُعدّي المحتوى الإبداعي، والأثر الذي يُحدثه فيديو متحرك مدته ثلاثون ثانية ربما يفوق أثر تقرير صحافي مُعمّق عشرات المرات. لكنَّ هذا التطور لا ينبغي أن يُفضي إلى استسلام نقدي، بل يستدعي، على العكس، صحافة أكثر يقظة وجمهوراً أعلى وعياً وأخلاقيات رقمية أكثر صرامة، لأن الحرب التي لا تُرى دماؤها قد تبدو في المآل كأنها لم تقع.