تركي الدخيل
كاتب سعودي. شغل منصب سفير المملكة العربية السعودية لدى الإمارات العربية المتحدة بين 2018 و2023. كما عمل مديراً لقناتي «العربية» و«الحدث» بين 2015 و2018.
TT

عَدُوُّكَ مَذْمُوْمٌ بِكُلِّ لِسَانِ

استمع إلى المقالة

يَقُولُ أَبُو الطَّيِّب:

عَدُوُّكَ مَذْمُومٌ بِكُلِّ لِـسَانِ وَلَو كَانَ مِنْ أَعْدَائِكَ القَمَرَانِ

وَلِلهِ سِــرٌّ فِـي عُـلَاكَ وَإِنَّـمَـا كَـلَامُ العِـدَى ضَـرْبٌ مِـنَ الـهَـذَيَـانِ

وَيُرْوَى عَجْزُ البَيْتِ الأَوَّلِ: (وَإِنْ كَانَ مِنْ أَعْدَائِكَ القَمَرَانِ)، كَمَا عِنْدَ الوَاحِدِي فِي شَرْحِ دِيوَانِ المُتَنَبِّي.

«القَمَرَانِ»: هُمَا الشَّمْسُ والقَمَرُ، غُلِّب أَخَفُّ الاسْمَيْنِ فَجُمِعَا بِهِ، وَهْوَ القَمَر. وِمثْلُهُ جَمْعُهُمْ لِأَبِي بَكْرِ الصِّدِّيقِ وَعُمَرَ بنِ الخَطَّابِ، عَلَى: «العُمَرَيْنِ»، تَغْلِيبًا لِلَأَخَفِّ نُطْقًا، لَا لِلْأَعْلَى مَكَانَةً.

يَقُولُ الفَرَزْدَقُ:

أَخَذْنَا بِآفَاقِ السَّمَاءِ عَلَيكُمُ لَنَا قَمَرَاهَا والنُّجُومُ الطَّوالِعُ

«الْهَذَيَانُ»: كَلَامٌ غَيْرُ مَعْقُولٍ مِثْلُ كَلَامِ الْمَعْتُوهِ. هَذَى يَهْذِي هَذْيًا وَهَذَيَانًا: تَكَلَّمَ بِكَلَامٍ غَيْرِ مَعْقُولٍ فِي مَرَضٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَهَذَى إِذَا هَذَرَ بِكَلَامٍ لَا يُفْهَمُ، وَهَذَى بِهِ: ذَكَرَهُ فِي هُذَائِهِ، وَالْاسْمُ مِنْ ذَلِكَ الْهُذَاءُ. وَرَجُلٌ هَذَّاءٌ وَهَذَّاءَةٌ: يَهْذِي فِي كَلَامِهِ أَوْ يَهْذِي بِغَيْرِهِ. «لِسَانُ العَرَب».

وَبَيْتَا المُتَنَبّي ذهَبَ كَثِيرٌ من شُرَّاحِهِمَا إلَى أَنَّهُمَا مِنَ المَدْحِ الَّذِي يُرَادُ بِهِ الذََّم، أو كَمَا يُقالُ فِي كُتُبِ البَلَاغَة: «المَدْحُ بِمَا يُشْبِهُ الذَّمَّ»، فَهُوَ مِنْ الكَلَامِ الَّذِي يَحْمِلُ فِي طَيَّاتِهِ مَعْنَيَيْنِ مُتَضَادَّيْنِ، المَدحَ وَالذَّمّ. وَمِثَالُ ذَلِكَ حَدِيثُ النَّبِيّ ﷺ، القَائِلُ: «... إذَا لَمْ تَسْتَحِ فاصْنَعْ مَا شِئت»! وَالمَعْنَى الأَوَّلُ: إذَا لَمْ يَمْنَعْكَ الحَيَاءُ فَإِنَّكَ مُرْتَكِبٌ أَفْعَالاً لَا حَيَاءَ لِأَهْلِهَا. وَالمَعْنَى الثَّانِي: إذَا لَمْ تَفْعَلْ مَا يَسْتَحِي مِنْهُ الخَلْقُ، فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ مِنَ الأفعال التي لا يستحيا منها.

قَالَ ابْنُ جِنِّي، فِي «الفَسْرُ الكَبِير»:

«وهَذَا مَدْحٌ كَمَا تَرَاهُ، وقَدْ يُمْكِنُ أنْ يُنْقَلَ هِجَاءً، فَكَأنَّهُ قَالَ: أَنْتَ سَاقِطٌ رَذْلٌ، والسَّاقِطُ لا يُضَاهِيهِ ويُعَادِيهِ إلَّا مِثْلُهُ، فَإذَا كَانَ مُعَادِيكَ مِثْلَكَ فَهُو مَذْمُومٌ بِكُلِّ لِسَانٍ، كَمَا أنَّكَ كَذَلِكَ، ولَو عَادَاكَ الشَّمْسُ والقَمَرُ لَسَقَطَتَا بِمُسَاجَلَتِهِمَا إيَّاكَ، أَلا تَرَاهُ يَقُولُ بَعْدُ؟

وَلِلهِ سِرٌّ فِي عُلَاكَ وَإِنَّمَا كَلَامُ العِدَى ضَـرْبٌ مِنَ الهَذَيَانِ

هَذَا مِمَّا يُقْلَبُ هِجَاءً عن قُرْبٍ لا مَحَالَةَ؛ لأنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يُصْرَفَ إلَّا إلَى أنَّهُ أَرَادَ أنْ يَغِيظَ بِكَ الأحْرَارَ».

وَقَالَ الوَاحِدِي:

«مَنْ عَادَاكَ دَلَّ علَى جَهَالتِه، وسَقَطَتْ منزلَتُهُ عِنْدَ النَّاس، حتَّى ذَمَّهُ كُلُّ أحَدٍ. وَلَوْ كَانَ القَمَرَانِ مِنْ أعدائِكَ لصَارَا مَذْمُومَيْنِ، مَعَ عُمُومِ نَفْعِهِمَا، وَارْتِفَاعِ منزلَتِهِما.

ولِله سِرٌّ فِي عُلَاكَ وإِنََّمَا كَلامُ العِدَى ضَرْبٌ مِنَ الهَذَيَانِ

يَقُولُ: للَّهِ تَعَالَى سِرٌّ فِيمَا أَعْطَاكَ مِنَ العُلُوِّ والبَسْطَةِ، لا يطَّلِعُ النَّاسُ علَى ذَلِكَ

السِّرِّ، وَلَا يَعْلَمُونَ مَا هُوَ. وَمَا يَخُوضُ الأَعْدَاءُ فِيهِ مِنَ الكَلَامِ فيكَ، نَوعٌ مِن الهَذَيَان، بعدَ أنْ أرَادَ اللَّهُ فِيكَ مَا أَرَادَ. وَهَذَا إلَى الهِجَاءِ أقرَبُ؛ لأنَّه نَسَبَ عُلُوَّهُ عَلَى النَّاسِ إلَى قَدَرٍ جَرَى بِهِ مِنْ غَيْرِ اسْتِحْقَاقٍ، والقَدَرُ قد يُوافِقُ بعضَ النَّاسِ فيَعْلُو وَيَرْتَفِعُ عَلَى الأَقْرَانِ، وإنْ كَانَ سَاقِطًا بِاتّفَاقٍ مِنَ القَضَاءِ».

قُلْتُ: بَيْنَ مَدَائِحِ أَبِي الطََّيِّب فِي كَافُور الإِخْشِيدي، مَا كَانَ مَدْحًا يَسْتَبْطِنُ ذمًّا، لَكِنَّ شُرَّاحَ دِيوَانِ المُتَنَبِّي قَدْ بَالَغُوا وَذَهَبُوا بَعِيدًا فِي المَوْضُوعِ، حتَّى تَمَحَّكُوا فِي تَحْوِيلِ المَدِيحِ هِجَاءً، وَاللهُ أَعْلَم.