د. ناصيف حتي
TT

مذكرة التفاهم الأميركي ــ الإيراني ولبنان

استمع إلى المقالة

مذكرة التفاهم الأميركي - الإيراني لوقف الحرب والتأكيد على هدنة الستين يوماً، نصفها بالمرحلة الانتقالية، للبحث في تسوية القضايا العالقة والصعبة أو شديدة التعقيد، وأهمها من دون شك الموضوع النووي الذي كان صاعقَ التفجير في الأزمة التي تحولت إلى حرب. نسمع عن مقترحات متعددة ومتناقضة للتسوية: صفر تخصيب يكون البديل عنه تخصيباً إقليمياً مشتركاً، وهو ما ترفضه إيران وتتمسك بنسبة 3.67 المسموح بها وطنياً، حسب الوكالة الدولية للطاقة الذرية. ومستقبل كمية اليورانيوم المخصب بدرجة 60 في المائة، والذي يجعل إيران أمام فترة زمنية قصيرة للوصول إلى ما يُعرف بـ«العتبة النووية» (درجة تخصيب 90 في المائة)، وهل يتم تدمير هذه الكمية أو يتم وضعها عند دولة صديقة كما توحي إيران، وهو ما ترفضه واشنطن، والاختلاف قائم حول الطرف الثالث الذي يمكن أن «يستضيف» هذه الكمية التي تسمح لإيران، إذا ما بقيت بحوزتها، بدخول النادي النووي في فترة قصيرة، الأمر الذي يشكل خطاً أحمر للولايات المتحدة، وكذلك لإسرائيل بشكل خاص التي تود أن تبقي على احتكار النووي في المنطقة. كما تُطرح مقترحات حول وقف التخصيب من طرف إيران لفترة 15 أو 20 عاماً... كلها أفكار على طاولة المفاوضات، إلى جانب الإفراج عن الأموال الإيرانية بشكل كلي وغير مشروط كما تصر إيران، الأمر الذي يسمح حسب طهران بفتح الباب أمام تطبيع العلاقات الأميركية - الإيرانية، ولو بشكل تدريجي، وخاصة في المجال الاقتصادي. كما أن هنالك موضوع الصواريخ الباليستية، وكذلك دور ما يُعرف بـ«الأذرع الإيرانية» في الإقليم، واللذان تضعهما واشنطن على طاولة المفاوضات.

إدخال «الورقة اللبنانية» في التفاهم من خلال إصرار طهران على وقف النار في مسرح المواجهة في لبنان؛ المواجهة المباشرة، وتلك التي تقوم بالوكالة في لعبة النفوذ في المنطقة - شكّل جزءاً أساسياً من الاتفاق مع موافقة واشنطن على ذلك. ويبقى أن نرى مدى قدرة واشنطن على إجبار إسرائيل كلياً على احترام هذا الجزء من مذكرة التفاهم الذي يُفترض أن يساهم دون شك في خفض التوتر، وربما النجاح في وقف الحرب المستمرة، وهو أمر إيجابي للبنان. يشكّل ذلك أيضاً رسالة إيرانية حول الربط بين المسارات النزاعية، دون أن يعني أن إيران قادرة في نهاية الأمر على أن تفرض هذا الربط بشكل دائم وبذات القوة في إدارة النزاع حرباً وتهدئة وتسوية.

وقف النار أكثر من ضروري للبنان، ولكنه غير كافٍ، خاصة إذا استقر في إطار زمني مفتوح، مع انسداد أو غياب أي أفق للتسوية السلمية قد يجري تعزيزه ضمن تفاهم غير مكتوب (تفاهم يحمل ما يُعرف بقواعد اشتباك)، يتبلور مع الوقت في ظل الوضع الصعب على كافة الأصعدة الذي يعيشه لبنان منذ ما قبل الحرب؛ الوضع الذي ازداد بشكل كارثي مع الحرب، ووجود أكثر من مليون نازح. وهو تفاهم أمر واقع في غياب أو تغييب إمكانية الحل، ويحمل احتمالات توترات مقيدة، واشتباكات محددة في جغرافيتها ونارها، كأن يتم حصرها في إطار منطقة جنوب الليطاني.

في ظل وقف الحرب أو الهدنة (ستين يوماً قابلة للتمديد) التي اتُّفق عليها لاستكمال المفاوضات في الأمور الصعبة التي أشرنا إليها؛ الهدنة التي يصفها البعض بأنها بمنزلة استراحة محارب قبل العودة إلى إشعال الصراع - يبقى أكثر من ضروري توفير الدعم العربي والدولي للبنان للمضي في المفاوضات، مستفيداً من المناخ الذي يُفترض أن يمثله هذا التفاهم بغية تنفيذ ما أسميه بخريطة الطريق للمفاوضات؛ الخريطة التي يجب أن تؤكد أولاً على وقف النار كلياً وليس انتقائياً أو استنسابياً أو مزاجياً من طرف إسرائيل. كما يجب أن تؤكد على بلورة مسار انتقالي (خريطة طريق) تفاوضي واضح؛ مسار يقوم على انسحاب القوات الإسرائيلية من لبنان، والإفراج عن الأسرى، وتمكين الجيش اللبناني من السيطرة والإمساك كلياً بالمنطقة حتى الحدود الدولية للبنان، مع التأكيد على مرجعية اتفاقية الهدنة لعام 1949، والعمل على تعزيزها وتفعيلها؛ الاتفاقية التي رُسمت أساساً على الحدود المعترف بها دولياً للبنان، كما نذكر دائماً، مع العمل على تثبيت الحدود، لوجود بعض النقاط الخلافية التي يقال إنها لا تتعدى ست أو سبع نقاط. أما الحديث عن السلام، فذلك يأتي بعد استعادة السيادة اللبنانية على ما بقي من أراضٍ أو نقاط محتلة، وذلك في إطار التزام لبنان بمبادرة السلام العربية لعام 2002 بكافة عناصرها.