د. محمد النغيمش
كاتب كويتي مختص في علوم الإدارة. خبرة طويلة في قطاع الاستثمار. وعضو مجالس إدارة عشرات الشركات في قطاعات عدة منها الاستثمار والعقار والصناعة والتعليم والتأمين، كثير منها مدرجة بالبورصة. عمل مستشارا لوزراء وشركات. أمضى نحو ثلاثة عقود في الكتابة منها في صحيفة «القبس» و«النهار»اللبنانية و«مجلة الرجل»، ويكتب لـ«الشرق الأوسط»اللندنية منذ 2009. حاصل على الدكتوراه في القيادة من جامعة ساوثهامبتون بالمملكة المتحدة. ألف عدداً من الكتب آخرها «عقلية الإسفنجة».
TT

التفكير في طريقة تفكيرنا

استمع إلى المقالة

يختلف الإنسان عن كثير من الكائنات الحية في قدرته على التفكير في طريقة تفكيره. فهو حينما تفشل جهوده في مسألة رياضية أو مشكلة مستعصية، يغير أسلوبه ليظفر بنتائج أفضل. وإذا ما لاحظ صعوبة في فهم نص معين، قرر قراءته ببطء أو تلخيصه. وإذا شعر بأن تعامله كان فظاً أو خانه التعبير، راجع نفسه وحاول تقويم سلوكه.

ما سبق ليس أمراً عفوياً، بل يطلق عليه علماء النفس «ما وراء المعرفة»، وهي مجموعة من المهارات الذهنية التي تساعد الإنسان على مراقبة أفكاره وكلامه وعواطفه وتحيزاته الشخصية قبل اتخاذ القرار أو الاندفاع نحو سلوك معين. ويعد هذا النوع من التفكير من أكثر القدرات الذهنية ارتباطاً بالتعلم والنضج الفكري. ولذلك طالب «معهد ماساتشوستس للتقنية» (MIT) بأن تكون «ما وراء المعرفة» مهارة أساسية في المناهج الدراسية.

حيث تدفع المرء إلى تعلم استثنائي يتأمل فيه نقاط ضعفه ويعالجها حتى يجود أفكاره وأفعاله. والأجمل أنها مهارة تساعدنا في توقع أخطائنا ثم تفادي الوقوع فيها.

هذا التفكير «فوق الإدراكي» يفيد في تحسين الاستيعاب، وتعزيز القدرة على حل المشكلات، وتطوير الاستقلالية في التفكير، فضلاً عن زيادة المرونة الذهنية في التصدي للصعاب.

هو باختصار يشبه خروج العقل من مقعد السائق للحظة ليجلس في المقعد الخلفي ليراقب كيف يقود نفسه. فنحن نفكر طوال الوقت، لكن قلة منا تتوقف لتتساءل: لماذا أفكر بهذه الطريقة أصلاً؟ فكثير من المشكلات لا تكمن في القرار نفسه، بل في طريقة التفكير التي قادت إليه. فما أكثر ما نفترض أن الآخرين يفكرون مثلنا، أو نتسرع في إصدار الأحكام قبل اكتمال المعلومات، أو نتمسك بقناعة بالية رغم تغير الظروف والمعطيات.

فعندما يتحمس أحدهم للدخول في استثمار مرتفع المخاطر، قد يسأل نفسه: هل قراري مبني على دراسة حقيقية أم مدفوع بالطمع في تحقيق ربح سريع؟ وعندما يغضب من شخص ما، فإن التفكير العادي يقول: «أنا غاضب لأن فلان أخطأ»، أما التفكير فوق الإدراكي فيقول: «هل غضبي ناتج من خطئه أم من توقعاتي المبالغ فيها؟». وهنا يتحول النقاش من لوم الآخرين إلى محاولة فهم الذات. وهذه مرحلة ذهنية متقدمة. ولذلك قال تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا، قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا، وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾. وكثيراً ما نقرأ في محكم كتابه «أفلا يتدبرون» و«أفلا يعقلون»، وهي دلائل على قدرة الإنسان على مراجعة أفكاره وتأمل أفعاله وتقويمها، ولذلك هو مُخيّر وليس مُسيّراً.

الأذكياء يفكرون في حل المشكلات، أما الأكثر نضجاً وحكمة فيفكرون أيضاً في الطريقة التي يفكرون بها عند مواجهة تلك المشكلات. وعدم التعمق في تفكيرنا قد يفضي إلى قرارات نندم عليها، أو يحرمنا من قرارات كانت كفيلة بتجنيبنا ورطة محققة.