مشاري الذايدي
صحافي وكاتب سعودي. عمل في عدة صحف ومجلات سعودية. اشتغل في جريدة المدينة السعودية في عدة أقسام حتى صار عضو هيئة التطوير فيها. ثم انتقل لـ«الشرق الأوسط» من 2003، وتدرَّج بعدة مواقع منها: المشرف على قسم الرأي حتى صار كبير المحررين في السعودية والخليج، وكاتباً منتظماً بها. اختير ضمن أعضاء الحوار الوطني السعودي في مكة المكرمة. وشارك بأوراق عمل في العديد من الندوات العربية. أعدَّ وقدَّم برنامجي «مرايا» وبرنامج «الندوة» في شبكة قنوات «العربية».
TT

السّعودية وفنّ السّياسة والتَّدبير

استمع إلى المقالة

يتوهَّمُ جملةٌ من الناس أنَّ للشجاعة صورةً واحدةً هي صورة السلاحُ المرفوعُ والصوت الجهير، والضربُ والطعن، ولا ريبَ أنَّ هذه من الصور الشجاعة ومظاهر الحماسة، وفي ميادين القتال تُختبر معادن الرجال وتظهر بطولاتُ الكُمَاة.

غير أنَّ للشجاعة صوراً مختلفةً دقيقة الملحظ، صعبة المأخذ، لا يقدر عليها إلا من حكّم عقله على عاطفته، وسيّر الاثنين أعواناً له حتى يبلغ غايته، وهذه التي عناها أبو الطيّب المتنبّي حين قال:

الرأيُ قبل شجاعة الشجعان.

بل إنَّ هذه جوهر صفة القيادة وقلبها ولُبّها، فالشجعان الذين لا يهابون القتال، كثرة، وأصحاب الرأي الذين يتملكهم الحذر المقيم، كثرة أيضاً، لكن الذين يجمعون بين شجاعة الجَنان وصفاء العقل، والقدرة على امتشاق السلاح والنِزال، هم الندرة النادرة عبر التاريخ.

من هؤلاء بل من صفوتهم، كان الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل آل سعود، مؤسس المملكة العربية السعودية، وسليل التاريخ العريق من المجد والحكم والقيادة.

أقتطف لكم هذا القِطف من بستان عبد العزيز في فنّ القيادة، يرويها لنا نجله الراحل الكبير الملك فيصل بن عبد العزيز، الذي يقول: «أذكرُ أنّه لما وقع الخلاف بينه وبين الإمام يحيى إمام اليمن السابق، لم يتعجّل الشِدّة، وجعل يحاول حلَّ ما وقع بينهما من خلاف باللين والحِلم، حتى كِدنا - نحنُ أبناءه ورجال دولته - أن نرميه بالضعف، فلم يعبأ بنا وسار في طريقه إلى الحدّ الذي لا مَلام عنده للائم، ثم اضطر إلى السيف اضطراراً، وعندما توسّط سادة من العرب بين الملِكين، كان سريعاً للكفّ عن القتال». (مجلة المُصوّر) المصرية 1948، كما نقله محمد منير البديوي في كتابه (المتوكل على الودود عبد العزيز آل سعود ص 294 - 295).

كثيرة هي القصص التي تُروى عن عفو عبد العزيز وتنازله عن حقوقه الشخصية، ولكنّه فيما يخصّ «الصالح العام» وهيبة الدولة نفسها، لا يناور ولا يداور، ولا يتنازل حبّة خردل، ويثبت للأخير.

هذه الروح القيادية المسؤولة اندغمت في الحمض النووي وجينات القيادة السعودية منذ عبد العزيز حتى اليوم، وهي التي صانت الدولةَ السعودية من الوقوع في مهاوي المغامرات السياسية التي أودت بشعوبٍ ودولٍ في هذه المنطقة منذ أيام الحرب العالمية الأولى فالثانية فالحرب الباردة، وما تلاها حتى يوم إيران وأميركا، يوم ترمب ونتنياهو وخامنئي، ومن معهما هنا أو هناك.

الحربُ - إن لم يكن غيرها - هي ميراث الفرسان الأوائل من أهل الجزيرة العربية، والسياسة والأناة، إن كانت هي السبيل لتوقّي الحرب، هي نهج هذه القيادة... وتلك هي المعادلة الذهبية التي لا يحسنها إلا من يميز المعادن الكريمة من الرخيصة.