بندر بن عبد الرحمن بن معمر
كاتب وباحث سعودي مهتم بالتاريخ، له مؤلفات مطبوعة ومقالات وبحوث منشورة. وهو أيضًا رجل أعمال وعضو مجلس إدارة عدد من الشركات، ومستشار لعدة جهات وهيئات.
TT

الإفتاء والمؤسسة الدينية السعودية... التاريخ والإرث

استمع إلى المقالة

في أقلَّ من عامٍ شهدتِ المملكةُ العربيةُ السعوديةُ حدثينِ متَّصلين بتاريخ الإفتاء، أولهما صدور الأمر الملكي بتعيين الشيخ صالح الفوزان مفتياً عاماً ورئيساً لهيئة كبار العلماء؛ الأمر الذي حمل عند صدوره دلالاتٍ مهمة سواء في توقيته أو مضمونه، أو حتى في اختيار الشيخ الفوزان تحديداً.

أمَّا ثانيهما، فتوقيع مذكرة التعاون بين دارةِ الملك عبد العزيز والرئاسة العامة للبحوث العلمية والإفتاء لتوثيق تاريخ الإفتاء وإرثه العلمي. وبين الحدثين يبرز سؤالٌ يستحقُّ التأمل: لماذا لا يزال تاريخ الإفتاء والمؤسسة الدينية السعودية، ورغم أهميته في فهم تاريخ الدولة والمجتمع، من أقل موضوعات التاريخ الوطني دراسةً وتوثيقاً؟

مع أنَّه تاريخٌ لا يتعلَّق بالفتاوى والعلماء فحسب؛ بل يتجاوز ذلك كونه جزءاً من تاريخ بناء الدولة السعودية نفسها؛ إذ ارتبط العلماء بوظائف القضاء والتعليم والإفتاء، وأسهموا في تشكيل الفضاء العام، وصياغة المرجعية الدينية التي استندت إليها مؤسسات الدولة في مراحل مختلفة. ومع تطور بناء الدولة تطورت كذلك مؤسسات الإفتاء والقضاء والتعليم الشرعي، في مسار يكشف عن علاقة تكاملية بين المؤسسات الحكومية؛ بما في ذلك المؤسسة الدينية، والتي يمكن النظر إلى تطورها عبر 4 مراحل رئيسة؛ المرحلة الأولى: مرحلة العلماء بوصفهم مرجعية اجتماعية ودينية قبل ظهور الأجهزة الحديثة. أمَّا المرحلة الثانية: فتمثلت في الانتقال إلى المؤسسة الرسمية في منتصف القرن العشرين، مع إنشاء دار الإفتاء. وفي المرحلةِ الثالثة تزامن تطور المؤسسة الدينية مع توسع أجهزة الدولة وتطور أنظمتها. وفي المرحلة الرابعة، التكيف مع التحولات الاجتماعية والاقتصادية والفكرية.

ولعلَّ إحدى الحقائق التاريخية اللافتة أنَّ تطور المؤسسة الدينية، كونها إحدى مؤسسات الدولة، كان يسير غالباً بالتوازي مع تطور المؤسسات الأخرى وتنظيماتها. فبعد إنشاء مجلس الوزراء ثم صدور نظامه، أنشئ جهاز بمسمى: دار الإفتاء والإشراف على الشؤون الدينية والمعاهد (1954)، سبق ذلك تعيين أول مفتٍ للبلاد بشكل رسمي عام (1952).

وفي البيان الذي أعلنه الأمير آنذاك فيصل بن عبد العزيز ولي العهد رئيس مجلس الوزراء عام 1962 والمعروف ببرنامج النقاط العشر، ورد في نقطتيه الثالثة والرابعة عن خطة «إنشاء مجلس أعلى للقضاء ووزارة للعدل ومجلس للفتيا (هيئة كبار العلماء)»، وهو ما تم لاحقاً، كما صاحب صدور الأنظمة الأساسية عامي 1992 و1993 تعيين مفتٍ عام، وإنشاء وزارة للشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد.

غير أنَّ دراسة المؤسسة الدينية لا ينبغي أن تقتصرَ على هياكلها التنظيمية وقراراتها الرسمية، فثمة بُعدان مهمان لم يحظيا بالاهتمام الكافي في الدراسات التاريخية.

البعد الأول: هو علاقتها بالمجتمع؛ فالعلماء، رغم مكانتهم العلمية والنخبوية، لم يكونوا معزولين عن محيطهم الاجتماعي؛ فقد شاركوا في معالجة النزاعات، وتوثيق العقود والأوقاف والوصايا، والإجابة عن الأسئلة اليومية للناس، وأسهموا في حفظ جانب مهم من الذاكرة الاجتماعية المحلية. وتمثل الوثائق الشرعية والفتاوى والسجلات القضائية مصدراً تاريخياً ثرياً لفهم التحولات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في المجتمع السعودي عبر العقود.

أمَّا البعد الثاني: فهو دور المؤسسة الدينية في التعامل مع الأزمات الكبرى، فالتاريخ لا يكشف أهمية المؤسسات في الظروف العادية بقدر ما يكشفها في لحظات الاختبار. ومن هنا تبرز أهمية دراسة مواقف العلماء والمؤسسة الدينية خلال أحداث مفصلية مثل حصار الدرعية، والفتن في الدولة السعودية الثانية، ومعركة السبلة، وحادثة جهيمان، وغزو الكويت، ومواجهة موجات التطرف والإرهاب، وثورات الربيع العربي... وغيرها، وذلك بهدف فهم كيفية تفاعل المؤسسة الدينية مع تحديات كل مرحلة.

وفي هذا السياق، فإنَّ أي دراسة جادة تستلزم فهم النصوص والفتاوى والمواقف التاريخية في سياقاتها الزمنية، مع ربطها بالمعطيات السياسية والاجتماعية والفكرية التي أحاطت بها. فالتاريخ لا يُفهم من خلال النتائج وحدها؛ بل من خلال الظروف التي صنعت تلك النتائج.

من هنا تبدو الصورة أكثرَ تعقيداً مما يُصوَّر أحياناً في بعض الكتابات المعاصرة؛ فالمؤسسة الدينية السعودية لم تكن ثابتة على صورة واحدة طوال تاريخها، كما أنَّها لم تكن في حالة مواجهة دائمة مع التغيير، بل يمكن القول إنَّها خاضت عملية مستمرة من التكيف مع التحولات التي شهدتها الدولة والمجتمع، بدرجاتٍ متفاوتة من القبول أو التحفظ أو الاجتهاد. وقد نجحت في كثير من الأحيان في المواءمة بين المحافظة على المرجعية الشرعية والاستجابة لمتطلبات الواقع المتغير.

إن توثيق تاريخ الإفتاء والمؤسسة الدينية السعودية لا يمثل عملاً أرشيفياً فحسب؛ بل هو مشروع وطني لفهم أحد المكونات الرئيسة في التاريخ السعودي الحديث؛ فدراسة المؤسسة الدينية ليست دراسة لتاريخ العلماء وفتاواهم، وإنَّما نافذة لفهم تطور الدولة السعودية وبنية مجتمعها ومسارات التحول التي مرَّت بها عبر 3 قرون.

ومن هنا، تكتسب المبادرات العلمية المعنية بجمع هذا الإرث وتوثيقه وتحليله أهمية استثنائية، لأنَّها تسهم في بناء معرفة تاريخية أكثر دقة وعمقاً وشمولاً. فكلما اتَّسعت دائرةُ التوثيقِ والبحث في تاريخ الإفتاء والمؤسسة الدينية، ازدادت القدرةُ على قراءةِ التجربةِ السعودية قراءةً واعية تكشف تفاعلاتِ الدولة والمجتمع عبر الزمن، وتمنح الأجيال المقبلة فهماً أوضحَ لجذور الحاضر ومسارات المستقبل.