حين سيذهب السفير سيمون كرم إلى واشنطن ممثِّلاً، هو وصحبه، الدولة اللبنانية في المفاوضات الجارية، يكون ذلك بمنزلة الحلقة الأخيرة من رسم بياني طويل واحد من الصراع التاريخي بين المشروع اللبناني والمشروع الإقليمي في لبنان، يمتدّ ويتكرّر هو نفسه منذ أربعمائة عام، من فخر الدين المعني الثاني إلى جوزيف عون، ومن دوق توسكانا فرديناند الأوّل إلى دونالد ترمب.
تحقِّق الإضاءة على العمق التاريخي لهذه المسألة ثلاث غايات مهمة: الأولى، تتيح فهماً أفضل للواقع الراهن بمختلف ملابساته وتعقيداته. الثانية، تُظهِر كيف أن مجتمع الجبل اللبناني سبق بقرنين من الزمن مجتمعات المشرق في التفاعل مع الغرب ومع الحداثة، الذي لم يبدأ بعد ذلك إلا مع حملة بونابرت على مصر آخر القرن الثامن عشر. والغاية الثالثة والأكثر أهمّية، أن مثل هذه الإضاءة تولي الحاضر البالغ الاضطراب والتشنّج أهميّة نسبيّة وليست مطلقة. فهو ليس نهاية العالم. بل فصل جديد من فصول المسألة نفسها، التي شهدت على امتداد الماضي، فصولاً أكثر مأساوية وخطورة بكثير، مما يسهم في تهدئة النفوس الهائجة ويدعوها إلى الرويّة والتعقّل.
من الثوابت الأنثروبولوجية والسوسيولوجية اثنتان أساسيتان: الأولى أن المجتمعات في حركة تحوّل دائم لا تهدأ. والثانية، أن كل تحّول مجتمعي عميق يتطلّب التقاء عاملين اثنين: العامل الداخلي والعامل الخارجي. وهذه هي حال المشروع اللبناني.
العامل الداخلي في المشروع اللبناني هو التوق إلى أفق مختلف وإلى نمط حياة مميّز قائم على الانفتاح والمعرفة والحريّة ونوعيّة الحياة البشريّة. وهذا التوق متجذر ومنطلق من فرادة الجبل اللبناني ضمن محيطه المشرقي، في طبيعته الجغرافية، ومناخه، وتكوينه التاريخي، المجتمعي والثقافي، وموقعه كجسر تواصل مع الغرب. فلو كان هذا الجبل بعيداً عن البحر ومتوغّلاً داخل الأراضي، لتغيّرت تماماً معطياته وتبدّل مصيره.
لكن العامل الداخلي لم يكن كافياً وحده لإطلاق المشروع اللبناني. كان لا بدّ من النهضة الأوروبية مولِّدة الحداثة، خصوصاً في القرن السادس عشر، ليجد هذا المشروع العامل الخارجي الملائم له، ولتتوافر له معطيات الإفلات من المشروع الإقليمي العثماني المهيمن عليه.
كان فخر الدين الثاني أوّل روّاد هذا التوّجه الكبير، وأولى ضحاياه أيضاً، إذ لم يقدّر بدقّة موازين القوى آنذاك في المتوسّط، وكان طموحه الاستقلالي جامحاً. عام 1608عقد فخر الدين معاهدة عسكرية وسياسية سريّة مع توسكانا، وحين تعاظمت قوّته واجهه السلطان العثماني بحملة حربية، فلجأ إلى توسكانا مع عائلته عام 1613 حيث أمضى خمس سنوات، حين كانت فلورنسا عاصمة توسكانا ومنطلق النهضة الأوروبية ومنارة الغرب. كان فخر الدين أول زعيم آسيوي يكتشف الحداثة الأوروبية مباشرةَ في منبعها. لم يكن لبنان آنذاك قد خرج من المفهوم الجغرافي إلى المفهوم السياسي. ففخرالدين لم يحمل (كذلك جميع الأمراء المعنيين والشهابيين) لقب أمير لبنان، مع أن إمارته تجاوزت لبنان الحالي، وكان لقبه هو أمير الجبل، أي جبل الشوف. لكن خلال إقامته في توسكانا كأمير لجبل الشوف، كان محاطاً على الدوام بنخبة أبناء جبل لبنان، من خرّيجي مدرسة روما، فوحّد في شخصه الجبلين ومحيطهما. لكن بعد عودته ودخوله بعد حين من جديد في مواجهة حربية ضخمة مع السلطنة، تخلّفت توسكانا عن تنفيذ وعدها بنجدته، فكانت نهايته المأساوية ونهاية عائلته وجيشه.
كان واضحاً بعد ذلك بزمن مديد أن المشروع اللبناني يشتد عوده مع تراجع النفوذ العثماني، وصعود النفوذ الأوروبي شرق المتوسط. وحين عمدت السلطنة إلى توجيه ضربة قاتلة إلى هذا المشروع، عبر تشجيعها عام 1860 مذابح جبل لبنان ودمشق، كانت موازين القوى قد تبدّلت، فأطلق نابليون الثالث، بتفويض أوروبي، حملة عسكرية على سوريا ولبنان، مما قاد عام 1861 إلى ظهور الكيان اللبناني الأول المحكوم ذاتياً والمضمون دولياً داخل السلطنة العثمانية.
وحين دخلت تركيا عام 1915 الحرب العالمية الأولى إلى جانب ألمانيا والنمسا، ألغت فوراً نظام الحكم الذاتي لجبل لبنان، وسعت إلى خنق مشروعه الاستقلالي بحصار غذائي مطبق، قضى خلال ثلاث سنوات على ثلث سكانه. لكن خسارة الأتراك ودول المحور، الحرب، وانتصار الحلفاء، قادا إلى انهيار السلطنة وقيام لبنان الكبير عام 1920.
ومن حينه إلى اليوم، عبر استقلال 1943، ورحيل الاستعمار، ومأساة فلسطين وما تلاها، استمرّ الصراع بين المشروع اللبناني والمشاريع الإقليمية المتوالية، وصولاً إلى مشروع ولاية الفقيه الإيراني، وإلى لقاء واشنطن حيث السلطة اللبنانية هي، للمرّة الأولى، المفاوض الأوحد عن «بلاد الأرز».
