كان مؤكّداً لمن يلمّ بالمسألة اللبنانية أن يعمد «الحرس الثوري» الإيراني و«حزب المحور» في لبنان، على التوالي، إلى رفض البيان المشترك اللبناني-الإسرائيلي-الأميركي الأخير ونعته بأبشع المسمّيات.
فوراء الغبار الكثيف الذي يلفّ الوضع اللبناني البالغ التعقيد منذ أكثر من أربعين عاماً، ويحجب الرؤية بحشد هائل من المقولات والشعارات والمواقف والأطروحات، التي لا تهدأ ولا تكلّ، لا بدّ من إدراك جوهر وهدفية «حزب المحور» الذي أطلقته الثورة الخمينية في «بلاد الأرز» عام 1982.
ثمة قدر من الاستهانة بالعقل واحتقار الذاكرة في لبنان المعاصر، وثمة قدر من التذاكي ومن أساليب التمويه والتلاعب، مما يصعب تحمّله. وثمة أولوية هائلة للمصالح الصغيرة والغايات الشخصية الوضيعة على حساب المصلحة الوطنية لدى القدر الأعظم من الطبقة السياسية والمالية اللبنانية، مما يفسّر تماماً الهاوية التي انحدرت إليها واستقرّت فيها هذه البلاد.
مثل باخرة تغرق رويداً رويداً كان لبنان منذ عشرات السنين، والحيّز الأكبر من أولياء أمره يجهد في نهب محتوياتها بسرعة ولهفة وبراعة لا تُضاهى، بلا رحمة ولا تأنيب ضمير.
ووسط ذلك كلّه كان «حزب المحور».
مع ذلك، لم يكن هذا الحزب بالظاهرة الجديدة حقاً. فمنذ نشوء الكيان اللبناني قبل 165 عاماً إلى اليوم، لا يمكن فهم مساره إلا من خلال معادلة واحدة: الصراع الدائم بين المشروع اللبناني والمشروع الإقليمي في لبنان. لقد بقي المشروع اللبناني هو نفسه على مرّ الزمن. أمّا المشروع الإقليمي فانتقل من العثماني إلى السوري الفيصلي، إلى البعثي الوحدوي، إلى القومي السوري، إلى الناصري-العرفاتي، إلى السوري الأسدي، وصولاً إلى إلإيراني الخمينيّ تحت راية الوليّ الفقيه. قبل قيام إسرائيل عام 1948، كانت المشاريع الإقليمية في لبنان ترفع الشعار الوحدوي ضد النزعة الكيانية اللبنانية. ومنذ قيام إسرائيل، صار الشعار الغالب هو تحرير فلسطين انطلاقاً من جنوب لبنان.
في مهبّ ذلك كلّه، بقي التناقض هو نفسه: صراع لا هوادة فيه بين المشاريع الإقليمية، والدولة الممثلة للمشروع اللبناني. فالصورة المرسومة منذ زمن بعيد ما زالت هي نفسها إلى اليوم: استحالة التوفيق بين «حزب المحور» والدولة اللبنانية، فهما نقيضان لا يلتقيان.
لكن ما ميّز حزب البعث الأسدي و«حزب المحور» الإيراني عن سواهما من المشاريع الإقليمية السابقة أنهما استطاعا لسنوات طويلة الهيمنة على الدولة اللبنانية ومؤسساتها، بحيث اعتقد كل منهما على التوالي اعتقاداً راسخاً بأنه وضع يده بصورة نهائية على هذه الدولة. من كان يتوقّع أن النظام السوري سيتهاوى وينسحب من لبنان على ذلك النحو عام 2005؟ ومن كان يتوقّع أن «حزب المحور» سيدخل الآن في هذا النزاع المكشوف مع الدولة اللبنانية التي قرّرت قيادتها نزع سلاحه، ووضعت تنظيمه المسلّح خارج القانون، واعتبرت السفير الإيراني شخصاً غير مرغوب فيه، ثم حسمت أمرها بأن لا أحد يفاوض عن لبنان إلا هي، ثم دخلت في مفاوضات سياسية وعسكرية مباشرة مع إسرائيل برعاية أميركية، وصولاً إلى البيان المشترك الأخير؟
فهذا هو، مع اختلاف الظروف والأوضاع، لبنان الصعب المنال نفسه، بحكم معطياته الجغرافية والتاريخية، السياسية والمجتمعية والثقافية والروحية التعدّدية، وبحكم إنجازاته الحضارية والحياتية العريقة والفريدة في المشرق، وبحكم انتشاره البشري النوعيّ الواسع ما وراء البحار، وبحكم وجوده الدائم في قلب الحداثة والعالم. إنها أوراق قوّة غير مرئية، بالغة الأهمية، يخفى على أصحاب قوة السلاح الوحيد الجانب رؤيتها وإدراكها، ويعصى عليهم التحكّم بها.
ماذا بعد؟ ليس هناك أي بارقة أمل في تلاقي القيادة الإيرانية في طهران و«حزب المحور» في لبنان من جهة، والحكومة حاملة المشروع اللبناني من جهة أخرى. فالحزب والدولة كيانان متعارضان تعارضاً مطلقاً لا يلتقيان. وما يبتغيه الحزب من الدولة أحد أمرين: إما الهيمنة التامة عليها، وإما محاولة تعطيلها. فكل تحوّل لا قيمة له ولا شأن في نظر الحزب إذا لم يصبّ في تعزيز النفوذ الإيراني في لبنان. وحتى الانسحاب الإسرائيلي غير المشروط عام 2000 كانت كلّ أهميته في عرف الحزب تسليم الجنوب، ليس للدولة اللبنانية، بل للمحور، عسكرياً وسياسياً. وإذا استطاعت الدولة الآن أو غداً تحقيق حلم الانسحاب الإسرائيلي الكامل من الجنوب وإعادة الإعمار والنهوض الاقتصادي، فهي أمور مرفوضة تماماً إذا أدّت إلى تكريس حضور هذه الدولة، وليس المحور، في الجنوب.
