أخطر المعارك ليست تلك المُعلنة بل التي تدور رُحاها في الخفاء، حيث تُستخدم فيها كل أدوات المواجهة من دون أن يعترف أحد بوجودها. ففي أبجديات الحروب، يترتب على «إعلان الحرب» استعدادٌ وتأهبٌ، أما الصمت والتجاهل والغمز واللمز فغالباً ما تكون مؤشرات على أن المعركة قد بدأت بالفعل.
في المؤسسات، صراعات صامتة خطيرة أيضاً، مثل النزاع على النفوذ والسيطرة والتقرب من متخذ القرار بأي ثمن. ومنها أيضاً صراعات الصقور والحمائم، القائمة على مبادئ أو مدارس فكرية متنافرة. وبعض الصراعات لا يجرؤ أطرافها على تسميتها؛ لأنها صراع على المكانة لا على المصلحة، أو سباق محموم نحو الكرسي.
ولذلك تُخلِّف الصراعات الصامتة بروداً في التفاعل، وانخفاضاً في الحماسة وتقديم الحد الأدنى من الأداء. والمفارقة أن ذلك كله يحدث في جميع الاتجاهات، فهناك من يخشى من هو دونه رتبة أكثر ممن يعلوه في السلم الإداري، إما لضعف مهني فيه أو كسل أو عقدة نفسية تضخم قصوره وقدرات خصمه.
ولذلك ما أن يدخل المرء في صراع صامت تجده يتجنب الحوار، وتتلاشى ثقته بنفسه، ويكثر سوء ظنه. يربك نفسه ومن حوله. والأسوأ أن يُجَيّر المسؤول قطاعه كله ضد قطاع آخر، فقط بسبب خصومته مع رئيس ذلك القطاع! فيمنع أفراد إداراته من التواصل والتعاون والثناء العلني.
هذه طبيعة بعض النفوس البشرية، لكن علماء الإدارة وجدوا أن معضلة الصراع الصامت تنتقص من الرضا الوظيفي، وتخفض الإنتاجية، وتدهور معنويات العاملين. وتكبر مثل كرة الثلج إن لم يوقفها أحد.
ولذلك يبرز مفهوم مهم وهو «إدارة المشاعر»، وهي إحدى أبرز خصال القيادي الفاعل، فلا يعرف من حوله بمشاعره الحقيقية تجاه أقرانه. ولذلك كلما ارتقى المسؤول في السلم القيادي زاد شعوره بالوحدة، لأنه لم يعد بإمكانه البوح بمكنوناته تجاه الآخرين.
ولعل أخطر ما في الصراعات الخفية أنها قد تشتعل فجأة إثر كلمة أو رسالة بريد إلكتروني أسيء فهمها.
في كل صراع يدخل مستفيدون جدد، عبر محاولات «نفخ الكير» ليحققوا أجندات خفية. ولذلك كان من الحكمة عدم تجاهل أي صراع صامت، ووأده في مهده على يد متخذ القرار أو أحد أطراف تلك المشكلة.
الصراعات المعلنة يمكن احتواؤها، أما الخفية فغالباً ما تستنزف المؤسسات بصمت.
