بندر بن عبد الرحمن بن معمر
كاتب وباحث سعودي مهتم بالتاريخ، له مؤلفات مطبوعة ومقالات وبحوث منشورة. وهو أيضًا رجل أعمال وعضو مجلس إدارة عدد من الشركات، ومستشار لعدة جهات وهيئات.
TT

مكة تخاطب العالم: السلام في أزمنة الحروب

استمع إلى المقالة

بين أروقة المسجد الحرام وبطاح مكة ووادي منى وصعيد عرفات ومشعر مزدلفة، يتنقل هذه الأيام ملايين الحجيج ملبين نداء ربهم، قدموا من أصقاع الأرض بأعراقهم المتعددة ولغاتهم المتنوعة وثقافاتهم المتباينة وألوانهم المتفاوتة، ينتمي كثير منهم إلى جنسيات بلدان مزقتها الصراعات وأنهكتها الحروب والخلافات. يؤمون مكة، يجمعهم الحج في مشهد يُكذِّب خطاب الحرب ويُجسّد إمكانية التعايش؛ في زمن تستمر فيه الاعتداءات الإسرائيلية على الشعب الفلسطيني، وتتوالى أزمات المنطقة ومعاناة شعوبها من السودان إلى ليبيا واليمن ولبنان والعراق وسوريا رغم بعض الانفراجات هنا وهناك؛ إلا أن الحرب الأميركية الإسرائيلية من جانب وإيران من جانب آخر، أتت لتضع العالم وليس المنطقة فقط، في مواجهة أزمة كبرى!

منذ البداية كان موقف المملكة العربية السعودية عدم السماح باستخدام أجوائها وأراضيها لاستهداف إيران، إلا أن الاعتداءات الإيرانية على الرياض وغيرها من المدن والعواصم، جعلت العالم يترقّب ردة الفعل السعودية. ومع ارتفاع بعض الأصوات المطالبة بمحاولات إقحام الرياض في هذه الحرب، فإن دوائر القرار السعودية تعاملت مع الموقف بهدوء. فرغم طبيعة الهجوم الإيراني وتداعياته الفورية، كان التعامل السعودي على أكثر من صعيد؛ إعلامياً لم تُنكر الرياض الهجمات الإيرانية ولم تُقلّل منها، وأمنياً اتخذت السلطات السعودية جميع التدابير لحماية مقدرات البلاد ومكتسباتها. أمّا سياسياً، فوظّفت الدبلوماسية السعودية تلك الاعتداءات في المحافل والمؤتمرات الدولية من هجمات تستوجب الرد إلى سجلّ اتهامي يُبنى عليه موقف دولي ضاغط، ما يُعد أشد فاعلية من الرد العسكري العاجل.

وفي خضمّ هذه التوترات، أعلنت المملكة العربية السعودية وعلى لسان ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، وضع جميع إمكاناتها لمساندة الدول الشقيقة التي تعرضت لاعتداءات إيران، وفتحت أراضيها ومطاراتها وموانئها لهم وأبقت سلاسل الإمداد مفتوحة.

كما واصلت استقبالها ملايين الحجاج ووفرت لهم الخدمات كافة، بمَن فيهم حجاج يحملون جنسيات دول متورطة في الأزمة أو متعاطفة معها. هذا القرار السعودي خطابٌ سياسي يقول: نحن لا ندير مكة بمنطق الحرب، إنما ندير الحرب بمنطق مكة.

الحسابات الاستراتيجية هي ما يمنح السياسة السعودية ثقلها الحقيقي، الدبلوماسية السعودية تنشط عادة خلف الكواليس، والدول التي صنعت السلام في أوقات الحرب كُتبت في صفحات التاريخ بحبر مغاير لمن خاضوا المعارك وربحوها ثم خسروا الكثير. المملكة العربية السعودية وعلى مر تاريخها وفي أشد المواسم اضطراباً، أبقت على صوت مكة ونداء الإسلام جامعاً للمسلمين، كما أبقت على السلام خياراً ممكناً.

لكن العنصر الأكثر فرادة في التجربة السعودية يبقى مرتبطاً بخدمة الحرمين الشريفين ورعاية الحج والحجيج؛ وهذه الجزئية تحديداً هي ما يمنح السياسة السعودية بُعداً مختلفاً. فالسعودية لا تتحرك فقط كونها دولة تدافع عن مصالحها؛ بل أيضاً لأنها تحمل مسؤولية دينية ورمزية تجعل حساباتها أكثر دقة. إذ إن خادم الحرمين الشريفين لا يمثل سلطة سياسية محلية فحسب؛ بل يرتبط في الوعي الإسلامي العالمي بمفهوم رعاية المقدسات ووحدة الأمة، لذا يصبح خيار الحرب قراراً معقداً يتجاوز الحسابات السياسية والمعادلات العسكرية البحتة.

وتتجلى الحكمة السعودية مع تحرك القوافل البشرية بين مكة والمشاعر؛ إذ يسقط كثير من خرائط السياسة أمام مشهد لا يشبه إلا نفسه، ملايين الحجاج يلبون النداء بلسان واحد وعلى صعيد واحد. وبينما حملتهم طائرات دول تتنازع حدوداً ومصالح وآيديولوجيات، وتتصارع حكوماتها على طاولات الأمن والإعلام؛ تستقبلهم الحكومة السعودية وتوفر لهم الرعاية والعناية ليؤدوا مناسكهم بكل طمأنينة ويسر. ففي مكة يقف الإيراني إلى جوار العربي، والآسيوي إلى جوار الأوروبي، والأميركي إلى جوار الصيني، والروسي إلى جوار الأفريقي، دون أن يسأل أحدهم الآخر عن موقفه السياسي أو اصطفافه الدولي. تتلاشى لغة الحرب أمام نداء «لبيك اللهم لبيك»، ويصبح المشهد كله تكذيباً حيّاً لفكرة أن الصراع قدر أبدي بين الشعوب. مكة لا تعرض خطاباً نظرياً عن التعايش بل تنتجه واقعاً كل عام وتحول الاختلاف إلى وحدة مؤقتة تحت سقف العبادة. وفي زمنٍ صار العالم فيه أكثر انقساماً وحدّة، يبدو الحج كأنه الرسالة التي لا تزال تقول للبشرية: يمكن للناس أن يجتمعوا رغم كل شيء.

إنه استشعار مسؤولية خدمة الحرمين الشريفين والالتزام الأخلاقي أمام ما يزيد على ملياري مسلم، لدولة نذرت نفسها لخدمة الإسلام والسعي لإحلال السلام منذ عهد الملك عبد العزيز وحتى عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز.