علاء شاهين صالحة
صحافي لبناني. عمل مديراً لتحرير وكالة «بلومبرغ» في الشرق الأوسط وأوروبا. يشغل حالياً منصب مدير التدريب وتطوير المحتوى في «المجموعة السعودية للأبحاث والإعلام».
TT

«لبننة» العراق: درس لم تتعلمه واشنطن وأجادته طهران

استمع إلى المقالة

قرأت مصطلح «لبننة العراق» للمرة الأولى عنواناً فرعيّاً في قصة لـ«رويترز» بعد فترة وجيزة من سقوط صدام حسين واتجاه سلطات الاحتلال الأميركي إلى اعتماد نظام محاصصة إثني - طائفي قريب من النموذج السياسي السائد في لبنان منذ أوائل القرن الماضي. كانت مشكلات القرار واضحة كالشمس لنا كلبنانيين منذ أكثر من عشرين عاماً، وهي تبدو أكثر وضوحاً اليوم.

لم يكن ذلك القرار وحده السبب في دخول العراق حرباً أهلية طائفية، أو في صعود «داعش»، لكنه كان زيتاً أشعل نار الفتنة الطائفية التي مزقت البلاد، وفتح المجال أمام إيران للتغلغل في البنية السياسية والأمنية للعراق.

اليوم تجد الحكومة العراقية نفسها عاجزة عن السيطرة على الميليشيات الشيعية الموالية لإيران، التي شنت هجمات عديدة على السعودية ودول الخليج دفاعاً عن النظام في طهران منذ بداية الحرب الحالية في نهاية شهر فبراير (شباط) الماضي، من بينها هجوم خطير بطائرة مسيّرة على محطة نووية في الإمارات هذا الشهر. قد لا يكون هذا العجز على نفس مستوى فشل الدولة اللبنانية في السيطرة على «حزب الله»، أو بنفس تبعاته الكارثية على المستوى الإنساني والاقتصادي قبل السياسي، لكنه من ضمن العوامل الرئيسية التي تهدد استقرار العراق وأمن الخليج بصورة عامة.

سهّل مبدأ المحاصصة، الذي نصّ على تولي الشيعة رئاسة الحكومة، والسنّة العرب رئاسة مجلس النوّاب، وترك رئاسة الجمهورية للأكراد، من مهمة إيران اختراق المشهد السياسي العراقي والتأثير على الحكومات المتعاقبة ورؤسائها، ناهيك عن توغل نفوذها العسكري عبر دعم الميليشيات، التي أصبح بعض منها جزءاً من الكيان الأمني للبلاد.

مع كل هجوم لتلك الميليشيات على دول الخليج أو الأردن، نجد بيانات رسمية عراقية ترفض تلك الممارسات، وكأنها تصدر عن كوكب آخر، أو تأكيد «شديد اللبنانية» على حصر السلاح بيد الدولة، أو أن أمن الخليج جزءٌ لا يتجزأ من أمن العراق. ليس الغرض هنا هو التشكيك في نوايا أي من هذه التصريحات، لكن الإشارة إلى تشابه في ضعف نفوذ السلطة المركزية في البلدين.

أزمة لبنان، بالطبع، أعمق بكثير بسبب إسرائيل واعتداءاتها المستمرة من ناحية، وتخلي «حزب الله» بشكل شبه كامل عما تبقى من مظاهر الهوية الوطنية اللبنانية التي شكلّت عصب شعبيته العابرة للطوائف حتى نجاحه في تحرير الجنوب عام 2000. جرّت ميليشيا الحزب لبنان إلى حرب إسناد غزة في 2023 وحرب إيران من دون استئذان اللبنانيين، ثم اعترض قادتها على قرار الدولة التفاوض عبر واشنطن لإنهاء الحرب والاحتلال بحجة غياب التوافق الداخلي. يغذي العدوان الإسرائيلي شرعية الحزب في البقاء لدرجة تشعر معها بأن هناك رهاناً على إمعان إسرائيل في الإجرام، علّه يغطي على سبب وجود ميليشيا مسلحة لم تعد قادرة فعلياً على حماية لبنان كما كانت تدعي.

بعكس لبنان، لا تشكل إسرائيل تهديداً وجودياً للعراق، ولا تقصف قراه أو تستبيح أراضيه كل يوم بأي صورة تشرعن بقاء فصائل مسلحة موالية لأي جهة باستثناء الدولة.

لكن كل هذا لا يعني أن مأزق العراق سهل، خصوصاً في ظل رغبة الإدارة الأميركية تحييد ملف وكلاء إيران في الشرق الأوسط عن المفاوضات الرئيسية مع طهران، وهو ما يعني أن النظام الإيراني قد يعمل على إفشال تلك المسارات. فرغم ما تتحدث عنه مصادر «الشرق الأوسط» في تقرير نشر هذا الأسبوع عن عدم ممانعة خمسة فصائل نزع سلاحها وتسليمه للسلطات، يشير التقرير نفسه إلى صعوبة تنفيذه بسبب سنوات طويلة تغوّلت فيها هذه الفصائل على حساب الدولة ومؤسساتها، ومعارضة إيران.

كان النظام الطائفي وسيبقى سبباً رئيسياً في عجز لبنان عن بسط سلطة الحكومة المركزية ومكافحة الفساد والمحسوبية، وهو ما نراه في العراق الغارق هو الآخر في شبهات فساد متراكم وفشل ساحق في تنفيذ أي إصلاحات اقتصادية تقلل من اعتماد الدولة على إيرادات النفط.

النتيجة، وإن لم تكن بحجم كارثة لبنان، فهي لا تقل قتامة: تهديد لأمن دول الجوار وللمصالح الأميركية لدرجة اضطرت معها واشنطن إلى إيقاف إرسال شحنات دولارات شهرية لبغداد في محاولة للضغط على الحكومة. لكن وكما نرى في لبنان، يصعب التعامل مع الميليشيات من منطلق أمني من دون خطر إشعال حرب أهلية.

ما الحل إذاً؟ المفارقة في تقرير «الشرق الأوسط» أن أحد الخبراء يرى في مرجعية النجف الشيعية طرفاً قادراً على سحب أي غطاء ديني عن الفصائل التي ترفض تسليم السلاح، وهو حل يكشف في طياته عمق العطب الذي يعيشه العراق اليوم.

بالمناسبة، من بين الفصائل الرافضة للتخلي عن سلاحها، يبرز اسم «كتائب حزب الله». هذه ليست نكتة، فنحن لا نضحك.