د. عبد الله الردادي
يحمل الردادي شهادة الدكتوراه في الإدارة المالية من بريطانيا، كاتب أسبوعي في الصفحة الاقتصادية في صحيفة الشرق الأوسط منذ عام ٢٠١٧، عمل في القطاعين الحكومي والخاص، وحضر ضيفا في عدد من الندوات الثقافية والمقابلات التلفزيونية
TT

حين يبدأ الاقتصاد من السلوك

استمع إلى المقالة

هل يمكن للسياحة الازدهار في دولة لا يتسم شعبها بالضيافة؟ هل يمكن للمؤسسات النجاح عندما لا يحترم موظفوها الوقت؟ هل تنجح الأسواق عندما يغلب فيها منطق الشك في التعاملات؟ ما مدى صعوبة التغيّر والتحول في دول تغلب عليها ثقافة مقاومة التغيير؟... هذه أسئلة طرحها الاقتصادي التركي-الأميركي، ناجي موكان، في كتابه الصادر مؤخراً بعنوان «الطريق نحو التغيير: الثقافة، والاقتصاد، والتقدم البشري»، هذا المبحث الجوهري ينظر في أسباب نجاح مجتمعات في تحويل مواردها إلى تقدم، في حين تتعثر مجتمعات أخرى رغم امتلاكها الموارد والقوانين والخطط.

ويقصد بالثقافة في هذا السياق منظومة القيم والسلوكيات، التي تُحدد كيف يتصرف الناس في السوق والعمل والدولة وحتى الأسرة، فالثقافة الاقتصادية تشمل الثقة، والصدق، والانضباط، واحترام الوقت، والميل إلى الادخار أو إلى الاستهلاك، ومدى الاستعداد للتعاون مع الغرباء، أما السلوكيات في السياق نفسه فهي الصورة العملية لهذه الثقافة، هل يُنظر إلى الالتفاف على النظام ذكاءً أم مخالفة؟ هل يلتزم الأفراد بالمواعيد؟ هل تغلب الثقة الشك في الشراكات التجارية؟

وللثقافة الاقتصادية في المجتمعات جذور عميقة ترتبط بالتاريخ والبيئة وأنماط العيش، فالمجتمعات التي عاشت طويلاً في بيئات تتطلب التعاون الاجتماعي قد تُطور قيماً مختلفة عن مجتمعات اعتمدت على الاكتفاء الضيق أو الحماية العائلية، والمجتمعات الحديثة نسبياً تختلف عن الأخرى ذات الجذور التاريخية العميقة، وقد تناولت الكاتبة إيرين ماير في كتابها «خريطة الثقافة» كيفية تأثير الموروث التاريخي على أساليب الشعوب في التعاملات الدولية وفي الثقافات المؤسسية، والناس لا يكتسبون علاقتهم بالعمل والادخار والثقة والقانون في لحظة واحدة، بل يرثون جزءاً منها ويتعلمون جزءاً آخر، والشعوب التي عانت الفقر في مرحلة تاريخية لا تزال تحمل ثقافة اجتماعية تُحذر من الانزلاق نحو الفقر، والشعوب التي تعرضت لكوارث تحمل في طيّاتها خوفاً من تكرار التجربة، وعليه، فإن الثقافة الاقتصادية هي نتيجة تراكم طويل بين التجربة التاريخية، والبيئات المجتمعية، والحوافز الحياتية.

وفي كتابه، ناقش موكان الطريقة التي يستجيب بها الناس للقوانين والسياسات والإصلاحات، فقد تصدر الدولة قانوناً جيداً، ولكن أثره الاجتماعي يتوقف على مدى الثقة بالمؤسسة، واستعداد الناس للامتثال، وتعريفهم العدالة الاجتماعية والاقتصادية، وثقتهم بانعدام إمكانية التحايل على الأنظمة، ونتيجة ذلك، فإن الإصلاح الاقتصادي قد لا ينجح بمجرد نقل نموذج قانوني أو مؤسسي من بلد إلى آخر، لأن القانون نفسه قد يعطي نتائج مختلفة حين يوضع داخل ثقافتين مختلفتين، وتكون الثقافة في هذا السياق وسيطاً بين السياسة العامة ونتائجها، فالخطة الاقتصادية قد تكون رائعة على الورق، ولكن الثقافة السائدة تُحدد سرعة تنفيذها، ومقدار المقاومة، وإمكانية تحوّلها إلى ممارسة يومية معتادة.

وقد طرح الكاتب الأميركي، فرانسيس فوكوياما، مبدأ «ضريبة الشك»، موضحاً أن المجتمعات عالية الثقة تستطيع بناء شركات أكبر، وأسواق أوسع، ومرونة أكبر، مبيناً أن الثقة أصل مؤثر في الأداء الاقتصادي. في المقال، فإن المجتمعات التي تميل إلى التشكك تدفع «ضريبة الشك»، فهناك تكلفة إضافية في كل عقد، وكل قرض، وكل تغيير تطرحه الحكومة، وكل تعامل تجاري، وتكون الضمانات المكلفة أكثر ما بين محامين ووسطاء ورقابة وإجراءات معقدة، وهذه الضريبة تُفسر جانباً خفياً من ضعف الأداء الاقتصادي، فالمدير الذي لا يستطيع تفويض موظفيه سيبقى محدود الأداء، والتاجر الذي لا يثق بالمورد سيحتاج إلى مخزون أكبر، والبنك الذي يفترض التحايل من عملائه سيرفع تكلفة الإقراض، وهكذا دواليك، ويمكن بذلك النظر إلى الثقة بوصفها بنية تحتية غير مرئية تعمل في عمق الاقتصاد.

إن النظر إلى العوامل الثقافية والسلوكية قد يكون الفاصل بين ازدهار أمم وفشل أخرى، وقد يكون العامل الخفي في نجاح السياسات الحكومية أو إخفاقها. وتغيير هذه الثقافة الاقتصادية ممكن، ولكنه عادة ما يكون عبر مسار طويل يجمع بين التعليم والحوافز والقانون والإعلام والقيادة بالمثال، فلا يمكن أن تُطالب الناس بالانضباط إذا لم يُعاقب النظام المخالفين، ولا يمكن تمجيد الابتكار إلا إذا كان الفشل يعاقب اجتماعياً، وتستحيل الدعوة إلى الثقة إذا كانت التجارب اليومية تعلم الناس أن التحايل أكثر ربحاً من الالتزام، والوعظ يختلف عن تغيير الثقافة الاقتصادية، فالتغيير يستلزم بيئة تجعل السلوك المنتج أكثر جدوى من السلوك السلبي، لتُصبح الثقافة ممكناً للسياسات الاقتصادية الفاعلة، وشرطاً من شروط نجاحها، فالازدهار قد يُقاس بالأرقام، ولكنه يستند إلى قيم مجتمعية تؤمن بدور سلوكيات المجتمع في الصورة الاقتصادية الكبرى.