شوقي الريّس
صحافي وكاتب لبناني في صحيفة «الشرق الأوسط». عمل مراسلاً دولياً في أوروبا وأميركا اللاتينية لعدد من أبرز الصحف والمجلات العربية، بينها «المجلة» و«الحياة» و«النهار» و«المستقبل». يكتب أيضاً في صحيفتي El Paísالإسبانية وLa Repubblicaالإيطالية. يحمل إجازة في العلوم السياسية ودكتوراه دولة في العلاقات الدولية من جامعة مدريد، وعمل مترجماً شخصياً للعاهل الإسباني الملك خوان كارلوس الأول على مدى 16 عاماً. كما يدرّس مادة المنظمات الدولية في جامعة بيروت اليسوعية، وجامعة مدريد المستقلة، وجامعة جنيف.
TT

أشهر لكمة في تاريخ الأدب العالمي

استمع إلى المقالة

المكان: قصر الفنون الجميلة في مكسيكو. الزمان: مساء اليوم الثاني عشر من فبراير (شباط) 1976. المناسبة: العرض الأول للفيلم الذي يروي واقعة ركّاب طائرة سقطت في جبال الأنديز ونجوا بفضل أكلهم لحوم الذين قضوا عند السقوط. بين الحضور صديقان تربطهما علاقة وطيدة منذ سنوات، ويعيدان كتابة اللغة الإسبانية من رحمها الأعمق، ويحلّقان عالياً نحو جائزة نوبل: ماريو فارغاس يوسا وغابرييل غارسيّا ماركيز.

ماركيز، برفقة زوجته مرسيديس برشا، يرى صديقه مقبلاً ويهرع فاتحاً ذراعيه لمعانقته، فيبادله يوسا بلكمة على وجهه ترميه أرضاً نازف الأنف، ثم يتبعها بالقول: «هذا بسبب ما فعلته لباتريسيا في برشلونة». باتريسيا هي زوجة يوسا التي كانت أيضاً صديقة لقرينة ماركيز، وكانت علاقتها بيوسا تمرّ يومها بفترة متأزمة.

إلى اليوم، لا يعرف أحد بالتأكيد ما الذي فعله ماركيز لباتريسيا، وتسبّب بأشهر لكمة وأطول قطيعة في تاريخ الأدب العالمي. والأرجح أنه سيبقى سراً قرر الاثنان دفنه وتركه لبحوث المؤرخين وتأويلاتهم، إذ امتنع كلاهما منذ ذلك التاريخ عن التعليق على تلك الحادثة والرد على الاستفسارات حولها. وقد أجريت مقابلتين مع ماركيز، الأولى في كنكون والثانية في مدريد، رفض خلالهما الحديث عنها. كما اعتذر يوسا في حوارات عديدة معه عن تلك الواقعة التي وأدت مشروعاً مع ماركيز لكتابة رواية مشتركة عن الحرب التي دارت بين البيرو وكولومبيا.

تعود بداية التعارف بين ماركيز ويوسا إلى صيف عام 1967 في مطار كاراكاس. يومها كان الأول على أعتاب العقد الخامس من عمره، وكانت مضت أشهر على صدور رائعته «مائة عام من العزلة»، وكان الثاني في مطلع العقد الرابع على وشك أن تصدر تحفته «المدينة والكلاب». يومها كانت طفرة الأدب الأميركي اللاتيني قد بدأت تتحول إلى زلزال أدبي عالمي مع ماركيز ويوسا وفونتيس وكورتازار.

وكان الاثنان قد انتقلا إلى برشلونة التي انطلقت منها تلك الطفرة الأدبية بفضل الناشرة الشهيرة كارمن بالسيلز. وفي العاصمة الكاتالونية وضعا «خريف البطريرك» و«بانتاليون والزائرات»، وكانا يتقاسمان العشاء ويتسامران برفقة زوجتيهما كل ليلة تقريباً. وقد ذهب إعجاب يوسا بصديقه «غابو» حد وضعه أطروحته للدكتوراه في جامعة مدريد عنه.

كثيرون حاولوا التبحّر والتمحيص في أسباب تلك الواقعة وملابساتها، لكن الجميع اعترف بأن اللغز لا يملك سرّه سوى ماركيز ويوسا اللذين التزما حتى النهاية «ميثاق الصمت». ربما لأنهما كانا يعرفان جيداً أن الغموض الذي يكتنفها أقوى من أي شرح أو توضيح.