مصطفى فحص
كاتب وناشط سياسي لبناني. حاصل على الماجستير في الدراسات الإقليمية. خبير في السياسة الخارجية لروسيا بالشرق الأوسط. متابع للشأنين الإيراني والعراقي. وهو زميل سابق في «معهد العلاقات الدولية - موسكو (MGIMO)». رئيس «جائزة هاني فحص للحوار والتعددية».
TT

إيران... العقدة النووية

استمع إلى المقالة

لم يعد دفاع النظام في إيران عن حقوقه النووية، حتى حدود الموت، مرتبطاً فقط باعتبارات استراتيجية أو دفاعية، بل بات يشكّل جزءاً عميقاً من بنية النظام وهويته وآليات بقائه، خصوصاً في مرحلة إعادة تشكيل السلطة، والانتقال نحو زمن «المرشد الثالث».

فالحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران فرضت انتقالاً دموياً ومتسارعاً داخل بنية القرار، في حين تفرض المفاوضات، لا سيما في شقّها النووي، معادلة تثبيت هذا الانتقال وإعادة إنتاج شرعية السلطة الجديدة. ومن هنا تبدو مهمة المرشد الثالث مختلفة جذرياً عن سابقَيه؛ إذ ترتبط العقدة النووية، في الحالة الإيرانية، بعقدة البقاء نفسها، بما تمثله من تناقض عميق في الشخصية السياسية الإيرانية بين الرغبة في الاعتراف بسيادتها ودورها، والخوف الدائم على مصيرها ووجودها.

بالنسبة إلى المفاوض الإيراني، لم يعد المشروع النووي ملفاً تقنياً أو عسكرياً أو حتى علمياً فحسب، بل تحوّل إلى حق سيادي ورمز وطني مركّب، تَشكَّل من تراكمات تاريخية قديمة وحديثة، ومن شعور دائم بالتهديد، ومحاولات تهميش إيران وإنكار موقعها الإقليمي. لذلك تبذل الدولة الإيرانية جهداً هائلاً للحفاظ عليه، بوصفه تعبيراً عن حقها في البقاء والاستقرار والاستقلال.

وفي المشهد الحالي، لم يعد ممكناً فصل العقدة النووية عن بنية النظام وتوازنات السلطة داخله. ولهذا يبدو من شبه المستحيل على السلطة الجديدة في إيران القبول بالتخلي الكامل عن المشروع النووي، أو حتى التراجع عمّا تحقَّق فيه على المستوى المدني، لأنَّ ذلك لم يعد يُنظَر إليه بوصفه تنازلاً سياسياً فقط، بل بوصفه مساساً بهيبة النظام وصورته في الداخل قبل الخارج.

إن عقدة النووي باتت جزءاً من الهوية والعقيدة السياسية للسلطة الجديدة، خصوصاً أن انتقال السلطة إلى المرشد الثالث يجري في ظروف مختلفة تماماً عن تلك التي رافقت سلفَيه. فالمرشد الجديد يحتاج إلى مصادر شرعية مختلفة، بعد تراجع الزخم الثوري التقليدي، ما يجعل الدفاع عن «الحقوق النووية» أقرب إلى شرعية عقائدية جديدة للنظام، تتقدّم تدريجياً على الشرعية الثورية القديمة.

ومن هنا، يعتمد النظام الإيراني، في مرحلته الانتقالية، على النووي بوصفه هويةً عقائديةً بديلةً تعوِّض خسارته لجزء من شرعيته التأسيسية، وتعيد إنتاج عناصر القوة للدولة والنظام والنخبة الحاكمة. فروح الله الخميني وعلي خامنئي استندا إلى شرعية التأسيس، وكاريزما القيادة، والهوية الثورية، والقدرة على التعبئة الشعبية دفاعاً عن الثورة والحدود الوطنية، وهي عناصر تراجعت اليوم بفعل التحولات الجيلية، واتساع الفجوة بين النظام وشرائح واسعة من المجتمع الإيراني.

هذا الواقع فرض على السلطة الجديدة بناء سردية مختلفة حول النووي، حوّلته من مشروع استراتيجي إلى «عقيدة بقاء». وهنا يصبح الانتقال من «شرعية الثورة» إلى «شرعية القوة» أحد أبرز ملامح المرحلة المقبلة، حيث قد يعتمد المرشد الثالث على الهوية النووية بوصفها أداةً لتوحيد الداخل وحماية النظام وإعادة تحصينه.

وفي هذا السياق، تبدو المقاربة مع تجربة كوريا الشمالية، خصوصاً في مرحلة الانتقال من كيم إيل سونغ إلى كيم جونغ إيل، ذات دلالة خاصة. فبعد تراجع الشرعية الآيديولوجية والاقتصادية، دخل النووي في صلب عقيدة البقاء الكورية الشمالية، وتحوَّل إلى مصدر لشرعية النظام وحصانته.

إلا أن الفارق بين التجربتين يبقى واضحاً. فبيونغ يانغ حسمت خيارها ودخلت النادي النووي العسكري بشكل صريح، بينما لا تزال طهران تعتمد سياسة «العتبة النووية»، أي امتلاك القدرة من دون إعلان امتلاك القنبلة. فإيران تحاول الجمع بين الردع والغموض؛ فهي تسعى إلى امتلاك قدرة استراتيجية تحمي النظام كما فعلت كوريا الشمالية، لكنها، في الوقت نفسه، تحاول تجنّب أثمان العزلة والحصار الشاملَين اللذين تعيشهما بيونغ يانغ.

وقد يكون هناك تشابه بين تجربة كيم جونغ إيل وصعود مجتبى خامنئي، سواء من حيث طبيعة النظام أو ظروف المرحلة الانتقالية والصراع على الشرعية. لكن الفارق الجوهري يبقى أن كوريا الشمالية تحوَّلت إلى دولة فقيرة لكنها نووية، معزولة لكنها محصّنة نسبياً ضد السقوط، بينما لا تزال إيران تحاول الجمع بين منطق الدولة الثورية ومنطق الدولة الطبيعية، وبين الرغبة في الاندماج الإقليمي والدولي والحاجة إلى بناء ردع وجودي يحمي النظام ويضمن استمراره.