قال رئيس البرلمان الإيراني وكبير المفاوضين محمد باقر قاليباف، الأربعاء، إن «التحركات العلنية والخفية للعدو» تظهر أنه لم يتخلَّ عن أهدافه العسكرية، «ويسعى إلى بدء حرب جديدة» على إيران، ويريد منها الاستسلام رغم مرور نحو شهر على توقف إطلاق النار في جبهات القتال.
وأضاف قاليباف، في ملف صوتي ثالث وجّهه إلى الإيرانيين ونشره عبر حسابه على «تلغرام»، أن الولايات المتحدة تسعى، بالتوازي مع الضغوط الاقتصادية والسياسية، إلى «جولة جديدة من الحرب ومغامرة جديدة».
وقاد قاليباف وهو قيادي في «الحرس الثوري»، وفد بلاده خلال جولة المباحثات التي جرت مع واشنطن في إسلام آباد الشهر الماضي،
وشدد قاليباف على أن القوات المسلحة الإيرانية استغلت فترة وقف إطلاق النار «بأفضل شكل» لإعادة بناء قدراتها، قائلاً إن طهران تعمل على تعزيز جاهزيتها لـ«رد قوي وفعال» على أي هجمات محتملة، مضيفاً أن مستوى الجاهزية الحالي «سيفاجئ العدو»، وأن أي اعتداء جديد سيقابَل برد يجعله «يندم بالتأكيد».
وقال إن الولايات المتحدة تواجه «تحدياً استراتيجياً»، مشيراً إلى أن التضخم وأسعار الفائدة والبنزين وتكاليف المعيشة في الداخل الأميركي رفعت منسوب الاعتراض الشعبي هناك.
وأضاف أن قسماً كبيراً من أنصار الرئيس الأميركي دونالد ترمب باتوا يعدّون أي حرب أميركية محتملة ضد إيران «حرب إسرائيل»، ويرون أنها تتعارض مع وعود ترمب الانتخابية.
وأوضح قاليباف أن خيار واشنطن الثاني يتمثل في استئناف الحرب أو مواصلة الحصار البحري لإجبار إيران على الاستسلام، مضيفاً أن «رصد الأوضاع» يظهر أن الولايات المتحدة لا تزال تراهن على إخضاع الشعب الإيراني عبر الضغط الاقتصادي والحصار.
وقال إن تصور واشنطن يقوم على أن تكثيف الهجمات العسكرية، والضغوط الاقتصادية يمكن أن يجبرا إيران على الرضوخ لـ«مطالبها المبالغ فيها» على طاولة الدبلوماسية.

وشدّد قاليباف على أن مواجهة هذا المسار تتطلب تعزيز الجاهزية للرد «القوي والمؤثر» على أي هجمات محتملة، ورفع مستوى الصمود الاقتصادي، بما يخرج الولايات المتحدة من «خطأ الحسابات» ويدفعها إلى «اليأس من إمكان إخضاع إيران»، كي تضطر في المفاوضات إلى القبول بـ«المطالب المشروعة للشعب الإيراني».
وأشار قاليباف إلى أن «الركيزة الثانية لنجاح إيران هي استمرار صمود الشعب»، قائلاً إن «العدو لم يفهم بعد أن الشعب الإيراني لا ينحني أمام القوة». وأضاف أن هذا الصمود الشعبي يضاعف مسؤولية السلطات في معالجة المشكلات الاقتصادية.
ومع ذلك، قلل قاليباف من الاستياء الداخلي حيال الوضع المعيشي، قائلاً إن الإيرانيين صمدوا نحو 80 يوماً في مواجهة «حرب أميركا وإسرائيل»، لكنهم واجهوا في الأسابيع الأخيرة ضغوطاً اقتصادية، بينها تراجع القدرة الشرائية وارتفاع أسعار السلع الأساسية، خصوصاً الأرز والدجاج والبيض واللحوم.
وأضاف أن خطأ الطرف المقابل كان الاعتقاد بأن صعوبة الظروف المعيشية ستضعف التماسك الوطني، لكن الشعب الإيراني «أثبت عكس ذلك». ورأى أن من حق المواطنين أن يتوقعوا من السلطات الثلاث وجميع المسؤولين العمل لمعالجة مشكلات المعيشة.
وأعرب قاليباف عن أسفه لأن «بعض الأطراف، بدوافع سياسية وبذريعة ارتفاع الأسعار، توجه أصابع الاتهام فقط إلى الحكومة أو الرئيس، من دون مراعاة الواقع». وقال إن بعض الانتقادات الموجهة إلى الحكومة تُطرح «كما لو أن حرباً لم تقع».
وأضاف أنه لا ينكر وجود «بعض نقاط الضعف الإدارية»، لكنه حذر من أن «إعطاء عنوان خاطئ» للمشكلة يضر بالوحدة الوطنية. وشدد على أن تأمين السلع الأساسية بصورة مستقرة يجب أن يكون «الأولوية الأولى» لجميع المسؤولين.
الدبلوماسية والميدان
وفي سياق مواز، قدّم وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي مقاربة تربط بين العمل الدبلوماسي والميدان العسكري، قائلاً إن وزارة الخارجية تجري «تنسيقاً مستمراً ويومياً» مع قادة القوات المسلحة على مستويات مختلفة.
وأضاف عراقجي أن الجهاز الدبلوماسي سيحضر في ميدان الحوار والتفاوض «بالقوة نفسها» التي تحضر بها القوات المسلحة في ميدان الدفاع.
وجاءت تصريحات عراقجي، خلال رعايته مراسم لإحياء ذكرى أربعين يوماً على مقتل مستشار المرشد الإيراني ووزير الخارجية الأسبق كمال خرازي، والذكرى السنوية لوفاة الرئيس السابق إبراهيم رئيسي ووزير الخارجية السابق حسين أمير عبداللهيان.
وتابع عراقجي أن عناصر التأثير في التطورات كانت تُختصر سابقاً في ثلاثة أضلاع: «الميدان، والدبلوماسية، والإعلام»، لكن المواجهات الأخيرة أضافت ضلعاً رابعاً هو «الشارع والحضور الشعبي»، عادّاً أن التعبئة الناتجة عن هذا الحضور أكملت الأضلاع السابقة.

وقال إن القوات المسلحة تضطلع بمهام الدفاع، والمؤسسات الحكومية بملف المعيشة، والأجهزة الأمنية بدور «عين النظام»، فيما تتولى الدبلوماسية أن تكون «الصوت الواضح للبلاد في الخارج» والمدافع عن المصالح الوطنية في الساحات الدولية.
وشدّد عراقجي على أن وزارة الخارجية لا تفصل مهمتها عن بقية مؤسسات الدولة، موضحاً أنها وبالتنسيق الكامل مع الأهداف العليا للنظام «تقف حيث تقتضي المصالح الوطنية الوقوف، وتتفاوض حيث تكون المفاوضات لازمة».
وأضاف أن الدبلوماسيين، إذا تغيرت أدوارهم، «سيقفون بالصلابة نفسها خلف منصات الدفاع»، وأن العسكريين، إذا اقتضى الأمر، «سيجلسون بالقوة نفسها إلى طاولة التفاوض»، لأن جميع المؤسسات، كما قال، تتحرك في مسار واحد لتحقيق هدف مشترك.
وقال عراقجي إن تجربة المعارك والتطورات في الأشهر الأخيرة أظهرت بوضوح أن الجهاز الدبلوماسي يتحرك «خطوة بخطوة وكتفاً بكتف» مع القوات المسلحة في خدمة المصالح الوطنية، مؤكداً أن الوزارة ستواصل أداء مهامها واتخاذ ما يلزم من إجراءات «بحزم ومن دون الالتفات إلى الهامش».
في المكان نفسه، قال وزير الخارجية الإيراني الأسبق محمد جواد ظريف إن إيران لا تحتاج إلى «ضمانات من ناقضي العهود وناكثي الاتفاقات»، عادّاً أن «الشعب الإيراني والقوات المسلحة هما أكبر ضمانة» لمستقبل البلاد.
وأضاف ظريف، أن إيران «اعتمدت على قدراتها الذاتية وعلى شعبها، وأثبتت أن أي طرف يقف في مواجهة هذا الشعب أو يحاول الاعتداء عليه أو قتل أطفاله أو استهداف قياداته محكوم عليه بالفشل». وأضاف أن ذلك «يمثل أكبر ضمانة لمستقبل البلاد».
وأشار إلى أن العاملين في المجال الدبلوماسي يمكنهم الوقوف «بثقة وعزة نفس في مواجهة المتغطرسين» والدفاع عن حقوق الإيرانيين «من دون قلق بشأن المستقبل»، مضيفاً أن «التهديدات لا تزال قائمة، لكن من يطلقونها أدركوا أن التهديد والضغط والقوة لن تدفع الشعب الإيراني إلى الاستسلام».
«خنق العقلانية»
في المقابل، عكست صحيفة «جمهوري إسلامي» المعتدلة نبرة أكثر تحذيراً من الداخل الإيراني، إذ انتقدت تصاعد التهديدات مقابل تقليص مساحة الدعوات إلى الدبلوماسية، قائلة إن هناك من يسعى إلى خلق أجواء عاطفية بدلاً من الاحتكام إلى العقلانية، بحيث تُوصم أي مفاوضات أو تفاهم بأنها «خيانة»، عادةً أن «الثورية الأصيلة لا تعني بالضرورة تأييد الحرب».

وقالت الصحيفة في عددها الصادر الأربعاء، إن الخطر الأكبر يكمن في أن يضيق المجال العام إلى درجة يصبح فيها من الصعب على أصحاب الرأي الحديث عن تكلفة الحرب. وأضافت أن كل صوت تحذيري قد يُتهم، وكل دعوة إلى العقلانية قد تُقرأ بوصفها مساومة، وكل محاولة للتفاهم قد تُفسَّر على أنها خيانة.
وأضافت أن البلاد تحتاج اليوم، أكثر من أي وقت مضى، إلى عقلانية «لا تنخدع بابتسامة العدو ولا تتهرب من رؤية تكلفة الحرب». ودعت إلى مصارحة المواطنين بالوقائع، والاعتراف بالخسائر، والبحث في الوقت نفسه عن مخرج.
وخلصت الصحيفة إلى أن السياسة «ميدان للفهم لا للصراخ»، محذرة من أن المجتمع الذي يلغي الحوار يُدفع حكماً إلى المواجهة. وقالت إن من يغلقون طريق التفاهم قد لا يدركون أن أول ضحايا الحرب هو «برنامج الأمة وأملها وحلمها»، وإن عدم التحرك في الوقت المناسب قد يترك وضعاً «لا يمكن تعويضه».




